هل القلق منقذ أم مهلك؟

انا اصدق العلم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف مشاركة الارباح

يعاني 1 من كل 4 أشخاص القلق المنهِك خلال حياته. لكن المشاعر ليست ذلك الجزء منا الذي يمكن فهمه أو اختباره بسهولة، تطورت المشاعر بوصفها صفةً أساسية للطبيعة البشرية، إذ تخدم وظيفةً تطورية. تسهل العواطف الفردية النجاح الإنجابي وتساعدنا على فهم التحديات المتعلقة باللياقة الإنجابية والتعامل معها، لهذا السبب ما زلنا -بعد آلاف السنين من التطور البشري- نختبر المشاعر، والقلق ليس استثناءً لذلك.

القلق غالبًا شعور محزن، وغالبًا ما يكون مرهقًا أكثر من كونه مُفيدًا. إذن ما هي فوائد القلق، إن وُجدت؟ أولًا، يرتبط القلق ببعض التحولات المهمة في الانتباه للأحداث وطريقة معالجتك للمعلومات. عندما تشعر بالقلق، ستوجه انتباهك تلقائيًا نحو الأشياء التي تجد بها احتمالية تهديد (كأن ترى شخصًا متجهمًا يعبر الطريق متجهًا نحوك)، أو معلومات مُهدِدة (مثل تقرير عن تزايد الجريمة في منطقتك في تليفزيوني).

ذلك التحول في الانتباه نحو الأشياء التي يُحتمل أن تكون مهددة يحدث تلقائيًا دون وعي، وهكذا يتحول انتباهك للتركيز على مصدر التهديد قبل أن تدرك وجوده، وهذا سلاح ذو حدين. ذلك التحول في الانتباه هو السبب في ميزة بقائك منتبهًا ومركزًا على التهديدات المحتملة، ما يزيد فرصة تجنبك لمصادر التهديد. لكنها قد تورطك أيضًا في حلقة مفرغة، لأن الانتباه التلقائي للأشياء التي قد تشكل تهديدًا سيزيد قلقك! قد يستصعب العديد من الناس التحكم في تأثير تلك الحلقة المفرغة فيكون مصدرًا للقلق المزمن.

أحد عواقب انحياز الانتباه تجاه التهديد أنه يؤثر في تفسيرك للأحداث من حولك. يكون الكثير مما نواجهه خلال يومنا غامضًا، أي قد لا يتضح كونه إيجابيًا أو سلبيًا، حميدًا أو مهددًا. علينا أن نصدر بعض الأحكام الإضافية لمعرفة هل يُعد شيء ما جيدًا أم سيئًا؟ لنقل إنك سمعت مصادفةً صديقة تقول إن حديثك في حفل زفاف سابق جعلها تضحك.

هل هذا شيء جيد أم سيء؟ ربما أحبت حديثك لأنه جعلها تضحك، أو أنها ضحكت بدافع الإحراج أو السخرية لأنه كان سيئًا للغاية! إذا سمعت تلك الملحوظة حين شعورك بالقلق، ستميل تلقائيًا إلى التفسير السلبي. بالمنطق التطوري أو التكيفي، يسدي القلق لك خدمة هنا، إذ يجعلك منتبهًا للتهديدات المحتملة، ما يمكنك من التركيز على التعامل معها. لكن من الناحية النفسية قد يكون الأمر مزعجًا جدًا، إذ ستفسر العديد من الأشياء على أنها تهديد في حين أنها ليست كذلك، إذ تفسرها بطريقة سلبية في حين أنها في حقيقة الأمر أشياء إيجابية.

هل يؤثر القلق فعلًا في الحياة العملية؟ هل يعطي الشعور بالقلق حقًا ميزات عملية وتكيفية؟ حسنًا، يبدو الأمر كذلك بالفعل. درس ويليام لي، الطبيب النفسي في معهد الطب النفسي 5362 شخصًا وُلدوا عام 1946. واكتشف أن من عانوا مستويات عالية من القلق -اعتمادًا على تقييم أساتذتهم لهم عندما كانوا بعمر 13 عامًا- كانوا أقل عرضةً للموت العرَضي مقارنةً بأصحاب معدلات القلق المنخفضة. توفي فجأة 0.1% فقط من الأشخاص القلقين، في حين كانت نسبة الوفيات العرَضية لدى غير القلقين 0.72%. ولم يُرصد فارق بين المجموعتين في أعداد الوفيات الطبيعية. لكن هنا يتضح مفهوم “القلق سلاح ذو حدين” مرةً أخرى، فبعد عمر الخامسة والعشرين بدأ الأفراد القلقون في تسجيل أعداد وفيات أكبر بسبب المرض مقارنةً بغير القلقين.

تشير النتائج إلى وجود فوائد لسمة القلق المتزايد في حياة البالغين المبكرة، إذ تساعدهم على البقاء على قيد الحياة، لكن ذلك يتوازن بفعل نقص معدلات البقاء في المراحل اللاحقة من حياتهم بسبب المشكلات الطبية. أي إن ما يقدمه القلق بيد يأخذه باليد الأخرى. لكن مع ذلك توجد هنا ميزة تطورية واضحة.

يساعد القلق الناس على النجاة من الموت العرضي المحتمل حتى بلوغهم سن الرشد المبكر، حين يكونون في ذروتهم الإنجابية. ما يعني أنهم أكثر قابلية للنجاة حتى بلوغهم سن الرشد المبكر والتكاثر بنجاح مقارنةً بغير القلقين، لذلك تكون جيناتهم أكثر قابلية للاستمرار في الأجيال المستقبلية. لكنك عندما تورث جيناتك إلى الأجيال المستقبلية، تصبح أقل قلقًا، ومن ثم أكثر عرضةً للموت بسبب الأمراض الأخرى مقارنةً بغير القلقين!

تضمنت دراسة أخرى عددًا من التجارب التصورية على القلقين والأفراد ذوي مستويات القلق العالية. أولًا، وجدوا أن القلقين يشعرون بالتهديدات -مثل اكتشاف رائحة الدخان- أسرع بكثير من غير القلقين. ووجدت تجربة ثانية أن الأشخاص ذوي معدلات القلق العالية أقل عرضةً للتشتت أو الحيرة عند محاولة التعامل مع تهديد أو مشكلة محتملة.

في التجربة الأخيرة طُلِب من المشاركين إكمال مهمة على الكومبيوتر، لكن البرنامج طوّر فيروسًا، أُخبر المشاركون أنهم هم من نشطوه -لكنه نُشط تلقائيًا بوصفه جزءًا من التجربة-، ثم قيل لهم إن عليهم الحصول على دعم فني على الفور، وعندها تعرض المشارك لعقبات إضافية كأن يُسقط طالب كومةً من الأوراق على قدميه، أو يطلب منه آخر إكمال استبيان. كان المشاركون القلقون أقل عرضةً للتشتت أمام تلك العقبات، وأكثر نجاحًا في الحصول على الدعم الفني المطلوب.

لكن كما كان الأمر مع اضطراب القلق، فإن للشعور بالقلق أيضًا جانبين مختلفين. ففي حين يبقيك الشعور بالقلق واعيًا بالخطر القادم ويساعدك على التفكير في الحلول الممكنة للتعامل معه، يرتبط أيضًا بآثار سلبية طويلة الأمد. سألت لورا كبزانيسكي وزملاؤها في دراسة بعنوان «هل الشعور بالقلق ضار بقلبك؟» 1759 شخصًا لا يعانون أمراض القلب المزمنة حول مدى قلقهم بشأن 5 جوانب: الظروف الاجتماعية والصحة والأمور المالية وتعريف الذات والشيخوخة. سُجلت حالات أمراض القلب على مدى 20 عامًا، ووُجدت علاقة مهمة بين القلق الشديد والخطر المرتبط بأمراض القلب المزمنة.

وينبئ القلق في كبار السن بخطر الإصابة بنوبة قلبية ثانية بعد حدوث النوبة الأولى بالفعل، وجدت دراسة أخرى تتناول التأثيرات النفسية لهجمات 11 سبتمبر أن المواطنين الأمريكيين الذين يعانون الضغط الشديد بعد الهجمات عانوا قلقًا مستمرًا من الإرهاب، أدى إلى مشكلات صحية قلبية ووعائية استمرت سنتين إلى 3 سنوات بعد الهجمات.

لا يقتصر الخطر المرتبط بالقلق على الخطورة المتزايدة للمشكلات القلبية والوعائية، وجدت دراسة حديثة تتبعت 15938 بريطانيًا على مدار 40 سنة أن الرجال الذين شُخصوا باضطراب القلق العام كانوا أكثر عرضةً للوفاة بسبب السرطان بمعدل 2.15 ضعف مقارنةً بغير المُشخصين بالقلق، حتى مع أخذ العوامل المؤدية إلى السرطان في الحسبان، مثل العمر واستهلاك الكحول والتدخين والأمراض المزمنة. لا توضح الدراسة علاقة محددة بين القلق والسرطان، لكن من الواضح أنه يجدر بنا اعتبار القلق علامةً تحذيرية على تراجع الصحة مع التقدم في العمر.

يبدو أن اضطراب القلق والصفات المرتبطة به مثل الشعور بالقلق له فوائد تكيفية حقيقية. إذ يساعدك على تذكر المخاطر المستقبلية، ويمكنك من معالجة المعلومات تلقائيًا بطريقة تحافظ على تركيزك على تلك المخاطر، وقد يساعدك الشعور بالقلق على إيجاد حلول للتعامل مع المخاطر والتهديدات. ولدعم تلك الجوانب الإيجابية للقلق، يوجد دليل على فوائد عملية حقيقية، يتمثل في قلة الوفيات العرضية في سن الشباب.

لكن تقل هذه الفائدة مع التقدم في العمر، وتتزايد الوفيات المرتبطة بالحالة الصحية لدى الأفراد القلقين من كبار السن، إضافةً إلى تزايد خطر الإصابة بأمراض معينة، مثل الأمراض القلبية الوعائية. عندما تتقدم في العمر، يفترض القلق أنه قد أدى وظيفته بالفعل، لذلك يقل اهتمامه بك. تطوريًا، قد يكون التأثير الانتقائي للقلق في ذروته عندما يتعلق الأمر بضمان مقدرة كل فرد على نشر جيناته بنجاح، لذلك يحافظ القلق على حياتك حتى العمر الذي يمكنك فيه إنتاج ذرية.

حينها يكون قد أتم عمله! كما لو أن معدلات القلق العالية تحول معظم التأثيرات الإيجابية الخاصة بحياتك إلى النصف الأول منها، وتجعلك تحترق وتُنهَك قبل الأوان في النصف الثاني. لذلك، إن كنت شخصًا قلقًا، ربما يعزيك بعض الشيء أن القلق قد ساهم في أن تصبح أبًا، مع أنه سيؤدي إلى إنهاكك بسرعة نسبيًا في بقية حياتك.

اقرأ أيضًا:

كيف يؤثر القلق على صحتك؟

التوتر و القلق ليسا مضرين دائمًا

ترجمة: ريهاند علي حسن

تدقيق: أكرم محيي الدين

: آية فحماوي

المصدر

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة انا اصدق العلم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من انا اصدق العلم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق