مع طفرة التكنولوجيا .. هل ستكون "المدن الذكية" النمط الطبيعي للحياة؟

ارقام 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فرضت الجائحة ضرورة إعادة التفكير في مستقبل المدن والاتجاه نحو العمل عن بعد والدراسة عن بعد والاجتماع عن بعد، ومن ثم دراسة تأثيرات تلك المتغيرات على الأعمال وكذلك المواصلات والنقل وانعكاسه على العادات الاستهلاكية، في ظل صعود واضح لمنتجات الذكاء الصناعي والمضي قدماً في الأتمتة والرقمنة، كل هذا سيغير من المدن وبنيتها قبل أن يغير في العمل.

 

 

ماذا يعني أن تكون ذكية؟

 

استطلاع رأي أجراه مركز أبحاث CSIS عام 2016 في مدينة "جاكرتا" الإندونيسة والتي تُعد واحدة من أكبر العواصم وأكثرها ازدحاماً بين الدول النامية والتي تسعى للتحول إلى مدينة ذكية بحسب الخطط الحكومية، كانت إجابات الناس كالآتي:

 

- أن تفعل الحكومة وظيفتها على أكمل وجه.
- إدارة أمثل للموارد لحل مشاكل المدينة بأفضل طريقة.
- حل مشاكل المدينة بطريقة تتجنب بها حدوث مشاكل في المستقبل.
- الوصول إلى مزيد من المعلومات.
- تحليل المعلومات لتوفير إحصائيات عن المدينة لاتخاذ قرارات أفضل.
- التخطيط المالي الذكي والتخطيط بشكل عام بطريقة أكثر ذكاء.
- أفضل طريقة لاستثمار التكنولوجيا من أجل حوكمة أفضل للمدينة.
- استغلال كل ما في التكنولوجيا لرفع جودة الحياة في المدينة.
- توظيف الابتكارات لتغيير طريقة عمل الأشياء في المدينة.
- إنشاء مراكز خدمة موحدة تضم كافة ما يحتاجه المقيم بالمدينة في مكان واحد.
- تقديم خدمات أكثر كفاءة وذات فاعلية لسكان المدينة.

 

بداية ظهور المصطلح

 

في 2005، أطلقت مؤسسة الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" الخيرية تحديا لشركة "سيسكوسيستمز" العالمية لإثبات قدرتها على استخدام تقنياتها في جعل المدن أكثر استدامة، وكنتيجة لذلك قامت "سيسكو" باستثمار 25 مليون دولار في مشروع أطلق عليه " التنمية الحضرية المترابطة" في سان فرانسيسكو وسيول وأمستردام.

 

هدف "سيسكو" من المشروع كان يتلخص في اختبار مدى إمكانية تحسين ما يلي:

 

- توصيل الخدمات.
- حركة المرور.
- المواصلات العامة.
- مكافحة الانبعاثات.

 

نجحت التجربة، وبعدها أطلقت "سيسكو" قسماً متخصصاً في المجتمعات الذكية والمتصلة وبدأت في تسويق منتجاتها وخدماتها في هذا الإطار لتكون أولى الشركات التي تطلق على نطاق واسع الخدمات والمنتجات التجارية لهذه الصناعة الناشئة.

 

جدل التعريف

 

ما هي "المدينة الذكية"؟ هل تقتصر على أتمتة وتسهيل تقديم الخدمات وتحسين انسيابية إشارات المرور وتقليل ازدحام الطرق ومراقبة الأمن العام وتوقع الجرائم قبل وقوعها، هذه مدرسة في التعريف بالمصطلح، هناك مدرسة أخرى تهتم أكثر بالإدارة أو يمكن أن نطلق عليها القيادة الذكية وليست المدينة الذكية، فالقيادة لو كانت غير كفؤة فلن تكون المدينة ذكية مهما بلغت التقنيات المتطورة المركبة بشوارعها.

 

 

جاكرتا مثالا

 

العاصمة الإندونيسية كانت حالة معملية وقيد الاختبار والمراقبة لمراكز الأبحاث بخصوص موضوع "المدن الذكية" بصفتها تابعة لاقتصاد ناشئ ودولة نامية مكتظة بالسكان تبدأ من تحت الصفر بعكس المدن الأوروبية في الاقتصادات المتقدمة التي لا ينقصها الكثير لتتحول إلى مدن ذكية، بعكس المدن بالاقتصادات الناشئة التي تحتوي على الكثير من الدروس المستفادة والقصص المثيرة للتعلم والتجريب والمحاولات.

 

التطبيق الكلاسيكي للمدن الذكية

 

افتتحت حكومة مدينة جاكرتا وحدة "المدينة الذكية" في عام 2014، الوحدة تركز على جمع البيانات الضخمة وتحليلها لدعم عملية صنع القرار في المدينة المكتظة بـ 10 ملايين مواطن، تعتمد الوحدة على بيانات مليون مستخدم للهواتف الذكية في المدينة وتربطهم مع بعضهم البعض في شبكة وغرفة عمليات مركزية توفر نوعًا جديدًا من الحوكمة والإدارة الذكية.

 

تحتوي الوحدة على نظام مراقبة للمدينة، يتم عرضه عبر العديد من الشاشات الكبيرة وأجهزة الكمبيوتر الصغيرة، ويمكن لهذا النظام التبديل بين البرامج المختلفة التي تعرض وضعية حركة المرور في جاكرتا، ويمكن أيضا تتبع موظفي الحكومة المتواجدين في الميدان والشوارع، وذلك عن طريق ما يقرب من 600 موقع به كاميرات حكومية.

 

هناك أيضا ذكي أطلقته مدينة "جاكرتا" يسمى "Qlue"، يطلب التطبيق من جميع المستخدمين إرسال تقارير عن أي شيء يرونه مثل حادث خطير أو سلوك غير أخلاقي أو حالة طوارئ أو جريمة وشيكة الحدوث، ومن الحفر في الشارع بدون تصريح إلى طلب أحد الموظفين العموميين للرشوة أو ملاحظة أعمدة إنارة مكسورة.

 

ويتم تحويل كل هذه المعطيات والمدخلات عبر وحدة المدينة الذكية وتحويلها إلى الجهات المعنية للتصرف حيالها، وهذه الجهات مُلزمة بالتحقيق والرد بما يفيد بإصلاح المشكلة أو حل الشكوى، قبل "Qlue" كان التعامل مع الشكاوى أو الحوادث يستغرق من المدينة ما بين ثلاثة أيام وأسبوع للرد على شيء بسيط مثل أعمدة إنارة مكسورة، أما الآن وقت الاستجابة أصبح 24 ساعة.

 

حصة أكبر 5 شركات فى السوق من إجمالي عدد المشروعات الحكومية للمدن الذكية المُوقعة بين 2012 و2020

العام

نيدأب Nedap

سيسكو سيستمز

تيلينسا Telensa

سمارت باركنج

2012

0

1

0

0

0

2013

2

3

0

2

2

2014

8

3

2

1

2

2015

6

5

8

5

6

2016

10

4

0

3

4

2017

6

2

0

1

2

2018

0

2

4

0

0

2019

0

3

5

3

1

2020

0

0

3

0

0

 

 

التطبيق الحديث للمدن الذكية

 

الآن مصطلح "المدن الذكية" أصبح يشير إلى إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية التى تقوم بتجميع وإدارة وتحليل البيانات الضخمة لمساعدة إدارات المدن لتكون أكثر كفاءة واستجابة لمتطلبات مواطنيها.

 

في كان هناك 379 مشروعاً للمدن الذكية حول العالم في 61 بلداً، بعض الدراسات تُقدر بوصول حجم السوق إلى 2.7 تريليون دولار في عام 2023، والجائحة ستعزز من نمو القطاع كثيرا.

 

 

نتائج استطلاع رأي تم إجراؤه على مسؤولي بعض المدن حول تأثير الجائحة على تفكيرهم في أغسطس وسبتمبر في 167 مدينة و82 دولة، كانت النتائج كما يلي:

 

النسبة المئوية لأصحاب هذا الرأى من إجمالي المستطلعة آراؤهم

الرأي

65%

قالوا إن أكبر درس تعلموه من الجائحة هو أهمية المدن الذكية في المستقبل.

43%

قالوا إنهم تعلموا من الجائحة أهمية استمرارية تشغيل العمليات ومرونة التعامل مع الأزمات.

37%

قالوا إن الجائحة علمتهم ضرورة ضخ مزيد من الاستثمارات في تطوير البنية التحتية.

88%

قالوا إن الاستثمار في الحوسبة السحابية هو المتطلب الأهم على الإطلاق لتطوير الخدمات المقدمة للجمهور.

66%

قالوا إن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي هو الأهم.

 

الأثر الإيجابي للجائحة

 

الجائحة ومنذ بدايتها شجعت على عقد تعاون طويل الأجل ومستدام وتوثيق العلاقات بين القطاع العام والقطاع الخاص لتوحيد الجهود وحشد الموارد المشتركة حتى الوصول إلى بر الأمان، كمثال الشركة الناشئة الأمريكية "زيبلاين" المتخصصة في خدمات الطائرات بدون طيار دخلت في شراكة مع حكومة غانا لتوصيل لقاحات عبر هذه الطائرات إلى سكان مدينتي "أكرا" و"كوماسي".

 

الأثر الإيجابي للجائحة استمر أيضا في مدينة "شيكاغو" الأمريكية التي استخدمت بيانات الهواتف المحمولة لمواطنيها عبر التعاون مع شركات الاتصالات الخاصة للتأكد من أن المصابين يعزلون أنفسهم ذاتيا كى لا تنتشر عدوى "كورونا"، وفي هلسنكي حدث تعاون شبيه بين الحكومة والشركات لتطوير برمجيات تساعد على دعم عملية اتخاذ القرار الملائم أثناء الجائحة.

 

الأثر السلبي للجائحة

 

ليس كل نتائج فترة "كورونا" كانت إيجابية على قطاع المدن الذكية والإدارة الكفؤة للمجتمعات، الأزمة الصحية كانت سبباً رئيسياً في تعطل وتعليق العديد من مشاريع وعقود المدن الذكية حول العالم، ميزانيات المدن أصابها كثير من الضغط والعجز بسبب الجائحة، وهذا الأثر المالي السلبي سيستمر لفترة طويلة على ما يبدو وهو ما أدى إلى انخفاض حاد في المشروعات.

 

عدد المشروعات الحكومية للمدن الذكية من 2011 إلى 2020    

العام

عدد المشروعات

2011

3

2012

2

2013

11

2014

31

2015

62

2016

71

2017

54

2018

77

2019

68

2020

34

 

لكن بعض المدن تحاول تجاوز هذه الصعوبات المالية باستغلال الدعم والتحفيز الحكومي لزيادة الاستثمار في سوق المدن الذكية، على سبيل المثال قام الاتحاد الأوروبي أثناء الجائحة بصياغة خطة تعافٍ تقدر بـ 750 مليار يورو، وعلى رأس مخصصات إنفاق هذه البرامج كان بند "رقمنة الإدارة العامة" ثم "رقمنة الأعمال" وهي بنود مرتبطة بالمدن الذكية مباشرة.

 

 

مسألة الثقة

 

الأمور لا تنحصر في المخصصات المالية والميزانيات، هناك عوامل أخرى ظهرت في فترة الجائحة وتؤثر على خطط المدن الذكية حول العالم وأهمها معدل ثقة الناس في أي خدمات أو منتجات مرقمنة وتكنولوجية.

 

مثلا في سنغافورة، فرضت السلطات على المواطنين نظامًا لتتبع الحركة والمراقبة اللصيقة، وعلى الرغم من أن الحكومة أكدت أن هذه المعلومات لن تستخدمها إلا في جهودها لمكافحة العدوى، لكن هناك شكوكًا انتشرت بالمجتمع.

 

وبالفعل، في وقت لاحق تأكدت هذه الشكوك حين كشفت الشرطة أنها استخدمت معلومات نظام التعقب المصمم لمكافحة كورونا في أحد تحقيقاتها غير المرتبطة بالجائحة، هذه السقطة من جهاز الشرطة تسببت في تعزيز هذه التوجسات تجاه التكنولوجيا.

 

 

في ، حيث نصف مشاريع المدن الذكية حول العالم، ألزمت المحكمة العليا جميع الشركات والأنشطة المرتبطة والمغذية لصناعة المدن الذكية التي تستعمل تكنولوجيا التعرف على الوجه أنه يجب عليها أن تحصل أولاً على موافقة مسبقة من المستخدمين قبل تطبيق هذه التقنية.

 

وفي يوليو الماضي، قدم المركز الوطني للأمن الإلكتروني في توصيات ومبادئ للشركات العاملة في هذا القطاع توجههم بضرورة التركيز على أولوية حماية بيانات العملاء، وكذلك فعلت وكالة حماية البيانات الألمانية التي نشرت توصيات مشابهة للتأكد من التزام الشركات بأولويات حماية بيانات المواطنين واحترام خصوصياتهم.

 

المدن الذكية في المنطقة العربية

 

في يناير الماضي أطلق ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز" واحدا من أكبر مشروعات المدن الذكية حول العالم، مشروع المدينة المليونية المتطورة "ذا لاين" في نيوم، وهذا النوع من المشروعات يتماشى مع التوجه العام للسياسات الحكومية نحو توطين صناعات المستقبل وتطوير الأداء الحكومي باستخدام التكنولوجيا الحديثة تحت عنوان كبير اسمه تنويع الاقتصاد .

 

ويشغل مشروع منطقة "نيوم" شمال غرب المملكة مساحة 26500 كم مربع، وتتمتع المنطقة بتضاريس طبيعية خلابة اجتمعت فيها شواطئ الرمال البيضاء مع جزر عائمة على سطح البحر تطل عليها من الجهة الشرقية والشمالية جبال شامخة تكسوها الثلوج في الشتاء وتتوسطها أودية وواحات خضراء تبعث بمناخها المتنوع راحة في النفس لا سيما مع نسائم عليلة في ليل نيوم.

 

 

واحد من أبرز مشاريع المدن الذكية في المنطقة العربية هو مشروع العاصمة الإدارية الجديدة في ، تم إطلاق المشروع فى عام 2016 شرقي القاهرة لتكون أول مدينة ذكية في مصر وبداية سلسلة مشروعات لإنشاء مدن ذكية أخرى تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة في معالجة المعلومات وإدارة المجتمعات.

 

على مساحة 170 ألف فدان "الفدان يساوي 4200 متراً مربعاً" وفرص عمل تُقدر بمليوني فرصة وتوقعات بوصول عدد السكان القاطنين بها عند اكتمال مراحل العمل 6.5 مليون نسمة، تستعد المدينة الذكية لتكون العاصمة الجديدة لمصر خلال أشهر قليلة حين تكتمل خطة نقل المقرات الحكومية ومؤسسات الدولة.

 

 

ختاماً، المدن الذكية أمامها مستقبل وفرص نمو كبيرة وعائد على الاستثمار أكثر من جذاب في الفترة القادمة، ليس لشيء سوى لأنها النمط الطبيعي الجديد أو The New Normal للمدن وحياة المجتمعات وإدارة احتياجات البشر.

 

 وعلى الرغم من وجود عقبات وعراقيل متنوعة مثل الجائحة ومسألة الثقة وكذلك مخاوف الاعتداء على الخصوصية، لكن على أي حال تظل مكاسب المدن الذكية أكبر بكثير من أن يتم تجاهلها أو تفويتها مع الوضع في الاعتبار التطور المرجح في وعي المستخدمين بحقوقهم مع الوقت، وهو ما يعني في المجمل آفاقا إيجابية لهذا القطاع الناشئ خلال العشر السنوات المقبلة وخاصة بعد التعافي الكامل من الجائحة.

 

المصادر: أرقام – مركز أبحاث سي إس أي إس – وايرد – بي ار نيوز واير – اوراكل – سيتي مونيتور – أي بي إم – الإتحاد الأوروبي.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

أخبار ذات صلة