الارشيف / اقتصاد / ارقام

انهيار "إف تي إكس" وسيناريو أخطاء متكرر .. أين الجهات التنظيمية وقبضتها الحديدية على الأسواق؟

  • 1/4
  • 2/4
  • 3/4
  • 4/4

أعاد انهيار شركة "إف تي إكس" إلى الواجهة الحديث عن دور الجهات التنظيمية في الرقابة على المؤسسات المالية في عالم الغرب الرأسمالي ومدى ما تقوم به من إجراءات للحيلولة دون وقوع كوارث مالية تؤثرعلى آلاف الأشخاص، وتزعزع الثقة في القطاع المالي والأسواق بوجه عام، وأوجه القصور التي تزخر بها قواعدها في ظل تكرار الأزمات التي تأتي من كل العواصم الغربية بلا استثناء.
 

والأزمة التي تواجهها "إف تي إكس" التي احتوت على مزيج مثالي من التلاعب والاحتيال وسوء الإدارة وعدم الحوكمة ليست الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة، فقبلها جاءت أزمة صندوق التحوط "أركيجوس كابيتال" وأزمة "حوت لندن"، وفي كل مرة تخرج الجهات الرقابية لتقول إنها لم تكن على علم بما يحدث وإنها تسعى لوضع القواعد اللازمة لمنع تكرار ذلك، لكن في كل مرة فإن تدخل السلطات في الدول التي تنشط بها تلك المؤسسات غالبا ما يكون بعد وقوع الكارثة وليس قبلها مما يثير الشكوك بشأن فعالية دورها.
 

"إف تي إكس" وسخرية من القواعد التنظيمية
 


   

المثير للسخرية في أزمة شركة "إف تي إكس" الأخيرة أنها كانت تروج لنفسها قبل الأزمة باعتبارها إحدى البورصات الأكثر خضوعا للقواعد التنظيمية، بل وأحيانا كانت تدعو السلطات إلى مزيد من التدقيق كوسيلة لجذب المستثمرين، وذلك من خلال استحواذها على حصص في شركات لديها بالفعل تراخيص من السلطات وأحيانا عبر اختصار عمليات الحصول على الموافقات المطولة.
 

وكشفت وثائق أن "إف تي إكس" أنفقت حوالي ملياري دولار على شركات لأغراض لنيل تراخيص دون أن تتقدم فعليا للحصول عليها وكان من بينها مثلا استحواذ على شركة "LedgerX LLC" وهي بورصة للعقود الآجلة مما منحها ثلاثة تراخيص من لجنة تداول السلع الآجلة دفعة واحدة وسمح لها بالوصول إلى أسواق مشتقات السلع الأمريكية كبورصة خاضعة للقواعد التنظيمية.
 

ليس هذا فحسب، بل إن مؤسس الشركة "ٍسام بانكمان فرايد" كان عادة ما يقوم بتوجيه المدح للجهات التنظيمية في الولايات المتحدة بشأن دورها، إلا أن فيضا من الرسائل النصية التي تبادلها مع شبكة "Vox" كشف عن نظرة "بانكمان" للقواعد التنظيمية إذ قال ردا على سؤال عما إذا كانت إشادته السابقة للقواعد التنظيمية هدفها فقط "العلاقات العامة" قال: "نعم، فقط العلاقات العامة... اللعنة على الجهات التنظيمية... إنهم يجعلون كل شيء أسوأ.... إنهم لا يحمون العملاء على الإطلاق".
 

أركيجوس كابيتال" ودور غائب للرقابة
 

في أبريل الماضي، اتهمت السلطات الأمريكية "بيل هوانج" مالك شركة "أركيجوس كابيتال ماندجمنت" بالابتزاز والاحتيال والتلاعب بالسوق بسبب انهيار مكتب عائلته في نيويورك مما أدى إلى تكبد بنوك عالمية خسائر بنحو عشرة مليارات دولار.
 

وعلى الرغم من أن الصندوق كان يدير 36 مليار دولار من رأس المال المستثمر وفقا للجهات التنظيمية، فإن "أركيجوس" لم يخضع لتدقيق تنظيمي مباشر نظرا لطبيعة عمله كمكتب عائلي كما أنه استخدم أنواعا معينة من المقايضات التي تخضع لقواعد تنظيمية مخففة لتجنب قواعد الإفصاح الأخرى.
 

والمكاتب العائلية هي كيانات أنشأتها العائلات الثرية لإدارة أموالها وتقدم الخدمات ذات الصلة لأفراد الأسرة مثل الضرائب والتخطيط العقاري وكذلك إدارة المشاريع الخيرية. وعلى الصعيد العالمي، تدير المكاتب العائلية أصولا بنحو 6 تريليونات دولار حتى عام 2019 وفقا لشركة "كامبدين للأبحاث".
  


   

لا تخضع المكاتب العائلية للقواعد التنظيمية بشكل عام، وتاريخيا، لم يكن على معظم المكاتب العائلية أن تسجل نفسها لدى لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية لأن قانون مستشاري الاستثمار لعام 1940 أعفى الشركات التي تقدم المشورة لعدد 15 عميلا أو أقل من التسجيل.
 

وألغى قانون "دود-فرانك" الذي أقر في 2016، والذي جاء مباشرة للأزمة المالية العالمية في 2007-2009، ذلك الاستثناء لضمان أن صناديق التحوط وغيرها من الصناديق الاستشارية الخاصة التي تضم ما يقل عن 15 عميلا يتعين عليها أن تسجل نفسها. لكن القانون في المقابل تضمن إعفاءً جديدا لمكاتب عائلية بعينها.
 

ونتيجة لذلك، فإن أي شركة تقدم نصائح استثمارية حول الأوراق المالية لأفراد العائلة ومملوكة بالكامل ومسيطر عليها بشكل حصري من جانب أفراد أو كيانات تابعة للعائلة معفاة من قانون المستشارين ووفقا للجنة الأوراق المالية.
 

وبالفعل أكدت لجنة الأوراق المالية والبورصات أن صندوق "أركيجوس" معفى من التسجيل كمستشار استثماري وأدى ذلك بالطبع إلى أن المراكز التي كونها "هوانج"، وبالتالي انكشافه الكامل على المخاطر، لم تكن تحت نظر الجهات التنظيمية أو أي من البنوك الفردية التي كانت تقوم بالتداول معه.
 

المسألة لم تقتصر فحسب على التسجيل، لكن نوع العمليات التي دخلها "أركيجوس" أيضا سعى بها لتلافي الرقابة.

فقد لجأ "هوانج" إلى عملية تحايل فائقة التنظيم إذ إن الغالبية العظمي من انكشافات "هوانج" كانت من نوع مشتقات الأسهم عبر بنوك مناظرة، قامت بشراء الأسهم الأساسية لكنها وعدت "هوانج" بعائد بناء على أداء تلك الأسهم.
 

أعطت هذه المشتقات الفرصة لـ "هوانج" للانكشاف على الأسهم الفردية دون امتلاكها، مما سمح له بالتحايل على قواعد لجنة الأوراق المالية والبورصات التي تجبر الأفراد الذين يشترون 5% أو أكثر من أسهم الشركات المدرجة بالإعلان عن حيازاتهم. وحتى الآن، فإن مالكي هذه الأنواع من عقود المقايضة المستندة إلى الأوراق المالية غير مضطرين للإعلان عن ذلك.
 

واعترفت لجنة الأوراق المالية بذلك وقالت إن استخدام "هوانج" لعقود المقايضة كان "استراتيجية مدروسة للحد من اطلاع المشاركين في السوق والأطراف المناظرة على النطاق الكامل لحيازات أركيجوس".
 

"حوت لندن"
  


  

في 2012، تفجرت فضيحة "حوت لندن" بعد أن أدت عمليات تداول قام بها مكتب بنك الاستثمار "جيه بي مورجان" في لندن ضمن محفظة مشتقات متخصصة مصممة لإدارة المخاطر في أن يتكبد البنك خسائر بقيمة 6.2 مليار دولار. وفرضت الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة وبريطانيا في ذلك الحين غرامات بنحو مليار دولار على البنك بسبب إخفاقات خطيرة في التدقيق الداخلي وقياسات حساب القيمة العادلة.
 

وكانت الأزمة كاشفة لنظرة المؤسسات المالية العريقة في الولايات المتحدة لذلك النوع من الفضائح، إذ إن "جيمي دايمون" الرئيس التنفيذي للبنك وصف الأزمة في بدايتها بأنها مجرد "زوبعة في فنجان" وهو ادعاء تبخر فور أن كشفت السلطات في البلدين عن حجم الكارثة مما دفع "جيه بي مورجان" في لأن يصف ما حدث بأنه كثر المواقف "غباء وإحراجا" التي وجد كيانه جزءا منها.
 

كشفت وقائع الاتهامات أن القضية لم تكن مرتبطة بنقص القواعد قدر ما كانت ترتبط بإخفاق "جيه بي مورجان" في اتباع تلك القواعد وفشل السلطات في ملاحظة ذلك.
 

فقد أشارت تقارير إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أخفق في القيام بدوره الرقابي على البنك وأن أحد أسباب وقوع الأزمة جاء نتيجة معارك نفوذ بين الجهات التنظيمية والتعويل المفرط على السمعة الراسخة "جي بي مورجان"، وفقا لتقرير صادر من مكتب المفتش العام لمجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي).
 

وقال التقرير إن فرع بنك الاحتياطي في نيويورك فشل في فحص مكتب الاستثمار في لندن قبل كارثة التداول على الرغم من أن فريقا من خبراء البنك أوصى بإجراء فحص شامل للمكتب في أغسطس 2019، أي قبل ثلاثة أعوام تقريبا من تكشف خفايا الأزمة.
 

لكن فريق بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لم يجر هذا الفحص قط، بل وخرج "مايكل جيبسون" مدير الرقابة والتنظيم المصرفي في مجلس الاحتياطي ليعلق فشل المكتب في القيام بواجباته على محدودية الموارد.

وقال إن التحديات المتعلقة بالموارد التي يواجهها نظام الاحتياطي الفيدرالي وفرعه في نيويورك في تلك الفترة لا يمكن الاستهانة بها، وإنه في ضوء ذلك اعتقد البنك أنه من المناسب التعويل على تقييم مكتب مراقب العملة وقسم التدقيق التداخلي في "جيه بي مورجان" نفسه بدلا من إجراء الفحص.
 

ليس هذا فحسب، بل أشار تقرير المفتش العام إلى ضعف العلاقة بين العاملين في بنك الاحتياطي فرع نيويورك ومكتب مراقب العملة، ووصف أحد موظفي البنك في نيويورك أن العلاقة بين الفريقين متوترة وأن العملاء المعنيين من الفريقين لم يتعاونوا.
 

سمعة البنك تلعب دورا
  


  

من ناحية أخرى، أشار التقرير إلى أن سمعة "جيه بي مورجان" كبنك قوي أثرت كثيرا في التعامل معه. وقال التقرير إن بنك الاحتياطي في نيويورك اعتمد بشكل كبير على مراجعة التدقيق الداخلي لـ"جيه.بي مورجان" والتي تمت في النصف الأول من 2009، قبل أن يوصي فريق من نظام الاحتياطي الفيدرالي بإجراء فحص كامل للوحدة.
 

اللوم وُجه أيضا لموظفي مكتب مراقبة العملة والذي لم ينجح في كشف الإجراءات الخاطئة والتجاوز غير المبرر لمعايير المخاطرة لدى وحدة البنك في لندن، على الرغم من أن حجم محفظة الائتمان المركب تضاعف من أربعة مليارات إلى 51 مليار دولار، ثم إلى 175 مليار دولار في الربع الأول من 2021. وقال مكتب مراقب العملة إن بنك "جيه بي مورجان" بذل قصارى جهده للإخفاء والتشويش على أنشطة محفظته على مدى سنوات. ومع ذلك فإن نظام الكشف عن المخاطر الخاص بمكتب المراقب المالي نفسه كان يجب أن يكشف التزايد ويطلق علامات الخطر.
 

وقال مراقبون إن المكتب كان يجب أن يتنبه إلى أنه في النصف الأول من 2011، انتهك مكتب الرئيس التنفيذي للاستثمار في "جيه بي مورجان" مرارا وتكرار قيود المخاطر. وأخفق المكتب في طرح الأسئلة، حين ربح المكتب في عام 2011، قبل تكشف فضيحة "حوت لندن"، 400 مليون دولار من رهانات محفوفة بالمخاطر في مشتقات ائتمانية بمليارات الدولار، مع ملاحظة أن هذا المستوى من الربحية قد يحدث فقط عند القيام بمخاطرات كبيرة وليس عندما تقصر البنوك عملها على الاستثمارات الحصيفة والآمنة بموجب القانون.


يرى بعض المراقبين أن الإقرار المبكر لقانون "دود-فرانك" كان سيمنع بنكا تجاريا مثل "جيه بي مورجان" من القيام برهانات خاصة مثل التي قام بها حوت لندن لأنه كان سيمنح المنظمين أدوات ومصادر معلومات جديدة.
 

قصة "حوت لندن" ودراما صندوق "أركجيوس" ومعها كارثة انهيار "إف تي إكس" كلها حدثت بعد الأزمة المالية التي ضربت العالم في 2008 وكان مركزها الولايات المتحدة، وهذا يعني ببساطة أن الثغراث ما زالت موجودة في ثوب الرأسمالية الغربية رغم محاولات ترقيعها التي لا تتوقف وأن فرص حدوث المزيد من الأخطاء قائمة وتهدد الجميع.

 

المصادر: أرقام- وول ستريت جورنال- رويترز- ذا نيويوركر

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا