آندي هوم*
انسَ النحاس لوهلة، فنجمُ الصعود الحقيقي حالياً في بورصة لندن للمعادن هو القصدير، الذي حقق مكاسب منذ بداية العام بلغت 41%، متجاوزاً حتى ارتفاع النحاس البالغ 33%.
مديرو الصناديق، الذين لطالما ترددوا في ضخ أموالهم في سوق صغيرة وأحياناً شحيحة السيولة مثل القصدير، تجاوزوا تحفظاتهم هذه المرة، وراكموا مراكز شرائية قياسية على عقود القصدير في بورصة لندن. هذا الاهتمام الاستثماري المتزايد يعكس إدراكاً أوسع بأن الاستخدام الأساسي للقصدير لم يعد علب السردين، بل لوحات الدوائر الإلكترونية، فلا إلكترونيات من دون قصدير.
لكن خلف هذا الصعود تكمن مشكلة هيكلية: الإنتاج المنجمي متركز في عدد محدود من الدول عالية المخاطر التشغيلية، والنتيجة هي سلسلة متواصلة من تهديدات الإمدادات، من تشديد إندونيسيا حملتها على التعدين غير القانوني، إلى تجدد القتال في أقاليم شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالقصدير. وما يحتاج إليه هذا المعدن «المنسي» فعلاً ليس مزيداً من الأموال في السوق، بل استثمارات حقيقية لإخراجه من باطن الأرض.
وأضافت صناديق الاستثمار زخماً إلى موجة ارتفاع أسعار القصدير، التي تجاوزت 40 ألف دولار للطن المتري. فقد تضاعفت المراكز الشرائية منذ مايو لتصل إلى 5753 عقداً، أي ما يعادل 28765 طناً من المعدن. وقد يبدو الرقم محدوداً، لكنه يكتسب دلالة أكبر إذا ما قورن بمخزونات بورصة لندن، المسجلة وخارج السجلات، التي لا تتجاوز حالياً 6 آلاف طن.
هذا الحماس المضاربي لم يتشكل بين ليلة وضحاها، فقد بلغ متوسط مشاركة الصناديق في سوق لندن نحو 1800 عقد في عام 2020، بينما ارتفع متوسط العام الجاري إلى 4600 عقد. وبات القصدير يلفت انتباه المستثمرين، حتى إن ظل حجمه متواضعاً مقارنةً بالنحاس.
ليس هذا مقتصراً على لندن، فالمستثمرون الصينيون انضموا بدورهم إلى موجة الصعود، مع قفزة بنحو 60% في حجم العقود المفتوحة على عقد القصدير في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة خلال هذا الشهر.
وتعكس تحديات الإمدادات تحوّلاً تدريجياً في الإنتاج العالمي نحو دول أعلى مخاطرة، مثل الكونغو الديمقراطية ومنطقة «وا» شبه المستقلة في ميانمار، حيث يعود منجم «مان ماو» العملاق ببطء بعد توقف دام عامين. ومع تشديد إندونيسيا حملتها على السوق السوداء، ونقص الوقود في بوليفيا، تمتد مخاطر التعطّل المحتمل إلى أكثر من 40% من إنتاج العام الماضي، وفق الرابطة الدولية للقصدير.
وفوق ذلك، تتقادم المناجم وتنخفض نسب الخام، وتعمل المصاهر في الصين بمعدلات استخدام تقل عن 60%، وأقل من ذلك في إندونيسيا. وإذا لم تتغير الظروف، فإن عجزاً هيكلياً في الإمدادات يبدو حتمياً، بحسب توم لانغستون، كبير محللي استخبارات السوق في الرابطة. والمفارقة أن القصدير لا يعاني نقصاً في الموارد، فالتقديرات تشير إلى احتياطيات عالمية تتجاوز 22.5 مليون طن، تكفي لأكثر من 50 عاماً. كما لا يوجد نقص في طاقة المصاهر، والمشكلة تكمن في الحلقة الوسطى: الاستثمار المنجمي.
وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام المضاربي، لم تُبدِ كبريات شركات التعدين العالمية اهتماماً يُذكر منذ عقود. ويهيمن على القطاع مزيج من الشركات الحكومية والتعدين الحِرَفي، خصوصاً في إندونيسيا. ولا يزال التعدين الحِرَفي مسؤولاً عن نحو 40% من الإنتاج العالمي، وكان وراء أبرز الاكتشافات الحديثة في البرازيل وميانمار والكونغو.
وتقدّر الرابطة الدولية للقصدير أن الاستثمارات السنوية المطلوبة لتلبية الطلب المتنامي تبلغ نحو 245 مليون دولار، في حين لا يتجاوز الإنفاق الحالي 100–150 مليون دولار. العقبة الكبرى هي التمويل، إذ لم يستفد القصدير من موجة الاستثمارات التي اجتاحت معادن «العصر الجديد» مثل الليثيوم.
وإلى أن يتحول الزخم المضاربي إلى استثمارات طويلة الأجل في المناجم، سيظل سوق القصدير شديد التقلب، مع عودة متكررة لمخاطر الإمداد إلى الواجهة. فالموجة الحالية قد تكون اندفعت بسرعة أكبر من اللازم، والطلب لا يزال فاتراً ولا يوجد شحّ فوري في المعدن. كما ارتفعت مخزونات بورصة لندن منذ يوليو، واقتربت من مستويات بداية العام، بينما زادت مخزونات شنغهاي إلى 7391 طناً.
قد يواجه المستثمرون الجدد اختباراً على المدى القصير، لكن علاوة مخاطر الإمداد ستبقى حاضرة، وستستمر التدفقات المضاربية في العودة، إلى أن يتقدم مستثمرون طويلو الأجل لمواجهة تحدي القصدير الحقيقي.
* كاتب عمود في «رويترز»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
