لم يعد السؤال الذي يواجهه أصحاب المشاريع الصغيرة اليوم هو كم نبيع؟ بل كيف نُقنع؟ ففي اقتصاد خرج مثقلاً بسنوات من التضخم، لم يعد السعر رقماً يُوضع على بطاقة المنتج، بل رسالة كاملة تختصر قيمة العلامة التجارية، وتحدد موقعها في أذهان المستهلكين. ومع تراجع التضخم تدريجياً دون أن تلحق الأجور بالوتيرة نفسها، بات المستهلك أكثر حساسية لكل قرار شراء، وأكثر تشدداً في تقييم ما يحصل عليه مقابل ما يدفعه. في هذا المشهد المتغير، يجد رواد الأعمال أنفسهم أمام معادلة دقيقة: أسعار مرتفعة قد تنفّر العملاء، وأسعار منخفضة قد تلتهم الأرباح. وبين هذين الحدّين، تتحول استراتيجية التسعير من أداة محاسبية إلى قرار استراتيجي قد يصنع نجاح المشروع أو يسرّع تعثره. فكيف تختار الشركات الصغيرة السعر الذي لا يقتل الطلب ولا يخنق النمو، في سوق لم تعد فيه الأخطاء مسموحة؟ تسعير المنتج.. قرار مصيري يُعد تسعير المنتج أو الخدمة من أكثر القرارات حساسية في أي مشروع تجاري. ورغم إمكانية تعديل الأسعار لاحقاً، فإن التسعير الصحيح منذ البداية يترك أثراً بالغاً على الإيرادات، لا سيما في المشاريع الناشئة أو الأعمال الجانبية أو عند إطلاق منتج جديد كلياً في السوق. وقبل تحديد السعر، هناك مجموعة عوامل أساسية يجب أخذها في الاعتبار: أولاً: تحديد القيمة الحقيقية في أي سوق، من الضروري تحليل القيمة التي يقدمها منتجك مقارنة بالبدائل المتاحة. هل تستخدم مواد أفضل؟ هل تقدم حلاً لمشكلة لا يعالجها الآخرون؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمن المرجح أن تكون القيمة المدركة لمنتجك أعلى، ما يتيح لك تسعيره بسعر أعلى من المتوسط. بعض الشركات تعتمد معادلات محددة لقياس القيمة، بينما تعتمد أخرى على دراسة الانطباع العام لدى العملاء. وفي الحالتين، يبقى فهم القيمة حجر الأساس لأي استراتيجية تسعير ناجحة. ثانياً: فهم قاعدة العملاء معرفة عملائك ليست مجرد تمرين تسويقي، بل هي عنصر جوهري في التسعير. هل تستهدف شريحة تبحث عن الجودة العالية ومستعدة لدفع سعر أعلى أم جمهوراً يفضل العروض والخصومات؟ إجراء أبحاث السوق، وتحليل سلوك الشراء، وفهم دوافع العملاء، كلها خطوات تساعدك على تسعير منتجاتك بطريقة تتماشى مع توقعات السوق التي تخدمها. ثالثاً: تقييم الإمكانات السعرية من المهم تحديد الحد الأقصى الذي يمكن أن يتحمله السوق لمنتجك. لا يعني ذلك بالضرورة أنك ستسعّر عند هذا الحد، لكنه يوفر لك تصوراً واضحاً لنطاق الحركة المتاح. ويتم ذلك عبر دراسة قاعدة العملاء، ومقارنة الأسعار مع المنافسين، وتحليل تكلفة الإنتاج. هذه الخطوة تساعدك على فهم السقف السعري الممكن دون الإضرار بالطلب. رابعاً: تحديد نطاق سعري مرن ينبغي على كل شركة معرفة الحد الأدنى للسعر الذي يضمن تحقيق ربح، إلى جانب الحد الأعلى المقبول من السوق. وبين هذين الحدين، يمكن تعديل الأسعار وفق مواسم الذروة، أو الحملات الترويجية، أو الخصومات المؤقتة، بما يحقق التوازن بين الجاذبية والربحية. خامساً: دراسة المنافسة والصناعة توفر المنافسة مؤشرات مهمة حول مستويات التسعير المقبولة في كل قطاع. فلكل صناعة هوامش ربح ومعايير تسعير شبه متعارف عليها. لكن في الوقت نفسه، لا يُنصح بتسعير المنتجات بمجرد تقليد المنافسين. فالأسعار يجب أن تنبع من هيكل التكاليف والقيمة المقدمة، لا من أرقام عشوائية، حتى وإن كانت ضمن النطاق السائد في السوق. سادساً: الاستماع إلى العملاء يمنحك حجم المبيعات مؤشراً أولياً حول عدالة التسعير، لكن التغذية الراجعة المباشرة من العملاء تظل أداة لا غنى عنها. الاستبيانات، والمراجعات، والتواصل المباشر، كلها وسائل لفهم ما إذا كان العملاء يرون قيمة حقيقية فيما تقدمه، أم أن السعر يشكل عائقاً أمام الشراء. سابعاً: الشفافية تبني الثقة يميل المستهلكون اليوم إلى دعم العلامات التجارية التي يرونها جديرة بالثقة. قد يضر التسعير الغامض أو الرسوم الخفية بالعلاقة مع العملاء على المدى الطويل. وإذا كان الإفصاح الواضح عن السعر يؤدي إلى نفور العملاء، فذلك مؤشر إما إلى خلل في استراتيجية التسعير، أو إلى حاجة أكبر لتوضيح القيمة التي يقدمها المنتج. أشهر استراتيجيات التسعير1- التسعير بالتكلفة المضافة يعتمد على حساب تكلفة الإنتاج (مواد، عمالة، مصاريف تشغيل) ثم إضافة هامش ربح ثابت. 2- التسعير المتميز تسعير أعلى من المنافسين لإيصال رسالة مفادها أن المنتج أعلى جودة، وهو خيار عالي المخاطر. 3- التسعير الاقتصادي تحديد أسعار منخفضة لزيادة حجم المبيعات، غالباً مع تقليل جودة المنتج أو تكلفته. 4- التسعير التنافسي ربط السعر مباشرة بأسعار المنافسين، ويشيع في الأسواق الناضجة. 5 - كشط الأسعار طرح المنتج بسعر مرتفع عند الإطلاق ثم تخفيضه تدريجياً لاستهداف شرائح مختلفة. 6- تسعير الاختراق تسعير منخفض جداً لدخول سوق مزدحم، لكنه غالباً غير مستدام على المدى الطويل. 7- التسعير النفسي استخدام أرقام توحي بأن السعر أقل، مثل 4.99 بدلاً من 5 دولارات. 8- التسعير القائم على القيمة تحديد السعر بناءً على القيمة المدركة لدى العميل لا على التكلفة. 9- تسعير الكيستون مضاعفة تكلفة الإنتاج لتحديد سعر البيع، ويشيع في قطاع التجزئة. 10- التسعير بالاشتراك نموذج الإيرادات المتكررة الذي يوفر استقراراً مالياً ورؤية مستقبلية أوضح. 11- التسعير المرن أو المتدرج تقديم عدة فئات سعرية لاستهداف شرائح مختلفة وتحفيز الترقية. في النهاية، لا توجد استراتيجية تسعير مثالية تصلح للجميع. لكن الشركات الصغيرة التي تفهم عملاءها، وتقدّر قيمة منتجاتها بدقة، وتتحلى بالمرونة والشفافية، تكون الأقدر على الصمود والنمو في اقتصاد ما بعد التضخم. المصدر: "إنتربرونور"