اقتصاد / ارقام

الذكاء الاصطناعي يطرق باب : هل العالم مستعد؟

  • 1/3
  • 2/3
  • 3/3

لم تعد ثورة الذكاء الاصطناعي مجرد قصة خوارزميات ذكية وشاشات لامعة، بل باتت قبل كل شيء قصة طاقة. فخلف كل سؤال يُطرح على نموذج لغوي، وكل صورة تُنتَج آلياً، وكل يُصمَّم بالذكاء الاصطناعي، يقف جيش غير مرئي من مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، وأنظمة التبريد، وشبكات كهرباء تعمل بلا توقف.

 

وفي عالم يطمح إلى نمو أسرع وابتكار أوسع، يبرز سؤال مصيري: هل يملك كوكبنا طاقة كافية، وآمنة، وعادلة، لتشغيل هذا المستقبل الرقمي؟

 

 

في يناير/كانون الثاني، يجتمع قادة العالم في الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تحت شعار «روح الحوار»، لمناقشة سبل تحفيز النمو، ونشر الابتكار بمسؤولية، وبناء الازدهار ضمن حدود الكوكب.

 

غير أن تحدياً بنيوياً يلوح في الأفق، ولا يزال يُعامَل باعتباره مسألة ثانوية: معضلة العالمية المتصاعدة، التي لم تعد تغذيها فقط زيادة السكان، والتحضر، والتحول نحو الكهرباء، بل أيضاً قوة جديدة كثيفة الاستهلاك للطاقة: الذكاء الاصطناعي.

 

وتشير أحدث البيانات العالمية إلى أن الطلب على الطاقة يواصل الارتفاع بوتيرة تفوق المتوسطات التاريخية، فيما ينمو استهلاك الكهرباء بوتيرة هي الأسرع على الإطلاق.

 

ويعكس ذلك تحولاً عالمياً واضحاً: مزيد من التبريد، مزيد من الإنتاج الصناعي، مزيد من الكهربة، ومزيد – وبشكل متسارع – من مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

لكن في الوقت الذي يرتفع فيه الاستهلاك، لا يزال الوصول إلى الطاقة غير متكافئ على نحو صارخ. فمليارات البشر حول العالم يفتقرون إلى كهرباء موثوقة أو حلول طهي نظيفة، بينما تستهلك مجتمعات أخرى الطاقة بإفراط.

 

عند هذا المفترق، لا يواجه العالم «انتقالاً» في الطاقة بقدر ما يواجه «توسعاً» هائلاً في الطلب. وطريقة التعامل مع هذا الواقع ستحدد ما إذا كانت ثورة الذكاء الاصطناعي ستصبح رافعة لنهضة إنسانية شاملة، أم عاملاً جديداً لتعميق الفجوات وعدم المساواة.

 

الذكاء الاصطناعي..  جبهة الطاقة الجديدة

 

كان يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي طويلاً باعتباره ظاهرة رقمية بحتة، لكن هذه الصورة تتغير بسرعة. فهذه الثورة تعتمد في جوهرها على بنية تحتية مادية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

 

وراء كل نموذج لغوي ضخم، وكل صورة أو فيديو يُنتَج بالذكاء الاصطناعي، تقف رقائق متعطشة للكهرباء، وأنظمة تبريد عملاقة، ومراكز بيانات هائلة، وشبكات طاقة يجب أن تواكب هذا التسارع.

 

بعض التقديرات تشير إلى أن استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء قد يقترب من الضعف بحلول عام 2030 في حال استمرت سيناريوهات النمو المرتفع للذكاء الاصطناعي.

 

ويحذر آخرون من أن الطلب المتزايد على الطاقة بسبب الذكاء الاصطناعي قد يزاحم احتياجات الدول النامية، ويقوض الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ.

 

لفهم حجم التحدي، تكفي بعض المقارنات اللافتة: فعملية واحدة عبر «تشات جي بي تي» تستهلك طاقة تعادل سبعة أضعاف ما يستهلكه البحث التقليدي عبر «غوغل».

 

أما إنشاء فيديو مدته دقيقة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيستهلك طاقة تعادل ما يستهلكه منزل غربي متوسط خلال ساعة كاملة. وتدريب نموذج ذكاء اصطناعي ضخم قد يتطلب طاقة تفوق ما يستهلكه أكثر من 100 منزل في عام كامل داخل الدول المتقدمة.

 

وعند ضرب هذه الأرقام في مليارات المستخدمين وملايين الخوادم، تصبح أرقام الاستهلاك مذهلة.

 

لهذا، باتت مسألة إمدادات الطاقة – وليس فقط الانبعاثات – في صلب النقاش حول الذكاء الاصطناعي. فنحن ندخل فعلياً عصراً تصبح فيه الرقائق الإلكترونية بمثابة «النفط الجديد»، ومراكز البيانات «المصافي»، والطاقة الموثوقة موردًا استراتيجياً لا يقل أهمية عن خطوط الأنابيب في الماضي.

 

 

لماذا يجب أن يكون الجنوب العالمي جزءاً من المعادلة؟

 

تضم الاقتصادات الناشئة الحصة الأكبر من النمو السكاني المستقبلي، والتحضر، واعتماد التقنيات الرقمية. ويشهد طلبها على الطاقة ارتفاعاً حاداً.

 

ومع ذلك، غالباً ما يتم الفصل بين الاستثمار في البنية التحتية للطاقة والتخطيط لعصر الذكاء الاصطناعي: تحظى التقنيات الرقمية بالاهتمام، بينما يُهمل سؤال الإمدادات. وهذا فصل لم يعد مقبولاً.

 

يتطلب مستقبل الطاقة العالمي العادل أن تحظى الدول التي ستشغّل الموجة الرقمية المقبلة بإمدادات طاقة ميسورة وموثوقة، ليس فقط للمنازل، بل أيضاً لمراكز البيانات، والمصانع، والبنية التحتية الحيوية.

 

ولا ينبغي لدول الجنوب العالمي أن تُترك خارج الثورة الرقمية، ولا أن تُجبر على الاختيار بين شبكات كهرباء مظلمة أو بيانات معطلة.

 

استراتيجية طاقة براغماتية

 

لمواجهة هذا التحدي، يتعين على القادة العالميين والقطاع الخاص إدراك حجم الرهان والتحرك وفقاً لذلك. ويعني هذا تبني استراتيجية طاقة براغماتية شاملة، تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:

 

الأمن: ضمان إمدادات مستقرة وقابلة للتوسع من مصادر متعددة، تشمل الغاز الطبيعي والهيدروكربونات إلى جانب الطاقة المتجددة، ودعم توسعة الشبكات الكهربائية وموثوقيتها، والاستثمار في مصادر الطاقة الأساسية حيثما دعت الحاجة.

 

القدرة على تحمل التكاليف: يجب أن تبقى الطاقة في متناول الأسر والصناعات ومشغلي مراكز البيانات. فضعف الاستثمار يهدد بحدوث صدمات سعرية، وتفاقم فقر الطاقة، وزعزعة الاستقرار.

 

الاستدامة والعدالة: تسريع نشر الطاقة المتجددة بواقعية، مع ربطها بقدرات احتياطية موثوقة، ودعم وصول الطاقة إلى المناطق الأفقر، وتسريع الاستثمارات النظيفة حيث تكون الحاجة أكبر.

 

ضمن هذا المزيج وحده يكمن الطريق القابل للحياة للتوفيق بين النمو، والتقدم التكنولوجي، والمسؤولية المناخية.

 

دور محوري لمناطق الطاقة

 

يمكن لمناطق مثل الخليج، التي تتمتع بموارد طاقة وفيرة، ورؤوس أموال كبيرة، وطموح استراتيجي، أن تلعب دوراً محورياً في هذه المرحلة. فهي قادرة على توفير طاقة مستقرة وميسورة للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، وتعبئة الاستثمارات في مشاريع الطاقة التقليدية والنظيفة على حد سواء، والقيام بدور الجسر بين الأسواق عبر تصدير الطاقة، وبناء البنية التحتية، وتمكين النمو في الاقتصادات الناشئة، بدعم من سياسات وتنظيمات مرنة.

 

 

الحوكمة والتعاون.. ودافوس 2026

 

في دافوس 2026، سيكون على المشاركين الاعتراف بأن العلاقة بين الطاقة والذكاء الاصطناعي باتت في قلب المشهد. فموضوعات الابتكار والنمو والاستدامة تتقاطع اليوم بشكل مباشر مع أمن الطاقة.

 

وهذا يتطلب تعاوناً جديداً: استثمارات عابرة للحدود، وأطر مشتركة لاختيار مواقع مراكز البيانات، وحوافز لاستخدام الطاقة بكفاءة، ودعماً عالمياً لتطوير البنية التحتية في الجنوب العالمي.

 

كما يتطلب ابتكاراً موازياً، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي نفسه أن يساعد في تحسين أداء الشبكات، والتنبؤ بالطلب، ودمج مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة، لكن ذلك لن ينجح ما لم تكن إمدادات الطاقة موثوقة من الأساس.

 

لذلك، يجب أن يتقدم الذكاء الاصطناعي ونشر الطاقة النظيفة جنباً إلى جنب لحل معضلة الأمن والعدالة والاستدامة.

 

العالم عند مفترق طرق

 

يقف العالم اليوم عند مفترق طرق. أحد المسارين يقود إلى الازدهار: مليارات البشر يحصلون على الطاقة، واقتصادات رقمية مزدهرة، وذكاء اصطناعي يعزز الإمكانات الإنسانية.

 

أما المسار الآخر فينذر بنقص الطاقة، وتعميق عدم المساواة، وتكريس الاعتماد الكربوني، وتوسيع الفجوة بين مناطق غنية بالتكنولوجيا وأخرى فقيرة بالطاقة.

 

إن التحدي في عام 2026 وما بعده لا يقتصر على تسريع نشر الطاقة النظيفة، بل يتطلب إعادة التفكير في استراتيجية الطاقة برمتها. أي النظر إلى الطاقة لا باعتبارها قضية مناخية فحسب، بل كأساس للبنية التحتية الرقمية، والعدالة الاقتصادية، والاستقرار العالمي.

 

ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد الطاقة مجرد خدمة… بل أصبحت العمود الفقري للازدهار الحديث، والابتكار، وتكافؤ الفرص.

 

المصدر: "المنتدى الاقتصادي العالمي"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا