لم تعد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني حول من يمتلك النموذج الأذكى أو الخوارزمية الأسرع، بل تحولت إلى صراع عميق على شكل الاقتصاد العالمي القادم، وعلى من سيملك مفاتيح القوة الصناعية، وسلاسل الإمداد، والنفوذ الجيوسياسي. في الوقت الذي تراهن فيه واشنطن على العقول والشرائح المتقدمة، تمضي بكين بهدوء نحو تسليح المصانع والموارد الطبيعية بالذكاء الاصطناعي، في سباق قد لا يكون خط النهاية فيه حيث يظن كثيرون. ربما تكون الصين قد تحولت إلى مصنع العالم، لكن الغرب ظل مطمئنًا نسبياً إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تتقدم عندما يتعلق الأمر بالسباق نحو الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الاطمئنان يعتمد، إلى حد كبير، على كيفية تعريفنا لطبيعة هذه المنافسة. في الولايات المتحدة، يُنظر إلى السباق على أنه اندفاع نحو تحقيق "الذكاء الاصطناعي العام"، أي ذلك النوع من الذكاء الاصطناعي القادر على تحسين نفسه ذاتياً، وتجاوز القدرات الإدراكية للبشر، وتنفيذ مهام معرفية حقيقية في العالم الواقعي. ووفقاً لتقدير ديفيد ساكس، المسؤول عن ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإن "الصين ليست متأخرة عنّا بسنوات طويلة في مجال الذكاء الاصطناعي، ربما بثلاثة إلى ستة أشهر فقط". ومع ذلك، لا أحد يستطيع الجزم بما يعنيه ذلك فعليًا، أو ما إذا كان صحيحًا، أو حتى إن كان لهذا الفارق الزمني أهمية حقيقية. يطرح هذا الواقع ثلاثة أسئلة جوهرية:1- أولًا، كيف سنعرف أصلًا أننا وصلنا إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي العام؟ فالانتقال من نماذج متقدمة إلى ذكاء عام حقيقي قد لا يكون واضحًا أو قابلًا للتحديد بدقة. 2- ثانيًا، هل يهم حقًا من يصل أولًا؟ إذا كانت كل من الولايات المتحدة والصين ستصلان إلى الذكاء الاصطناعي العام بفارق بضعة أشهر فقط، فما الذي سيتغير جوهريًا، سوى إشباع غرور الجهة التي تعلن تحقيق هذا الإنجاز أولًا؟ 3- أما السؤال الثالث، وربما الأهم: هل نسابق نحن، في الولايات المتحدة، نحو خط النهاية الخطأ؟ فنحن نفترض أننا في سباق متقارب مع الصين، بينما قد تكون الصين أصلًا تخوض سباقًا مختلفًا وعلى مسار آخر تمامًا. إذا كان معيار النجاح هو بناء أكبر وأقوى نموذج لغوي، فإن الولايات المتحدة تبلي بلاءً حسنًا. فالشركات الأمريكية تضخ مئات المليارات من الدولارات في تطوير النماذج المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وقد عزز ذلك تقرير حديث صادر عن المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا، أظهر أن أفضل نموذج أمريكي تفوق على أفضل نموذج صيني، "ديب سيك الإصدار 3.1"، في معظم الاختبارات، بفارق بلغ 20 في المئة في مهام هندسة البرمجيات، و35 في المئة في الكفاءة التشغيلية العامة، وفارق هائل في اختبارات الأمن السيبراني. النماذج اللغوية بيد أن روبوتات الدردشة قد لا تكون كل شيء عندما يتعلق الأمر بالآلات الذكية أو بالمنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين. فهناك تيار متنامٍ داخل الصين، بين التقنيين والمسؤولين والباحثين، يرى أن النماذج اللغوية الضخمة التي أسرت وادي السيليكون لا تمثل المسار الأكثر استراتيجية نحو مستقبل مدعوم بالذكاء الاصطناعي. وبحسب تعبير ساخر يتداوله بعض الخبراء الصينيين، فإن "مخرجات تشات جي بي تي ليست سوى ثرثرة رأسمالية". وبينما تعمل الصين على تطوير نماذجها اللغوية أيضًا، فإنها تتبع، سواء عن قناعة أو بحكم الضرورة، استراتيجية مختلفة. فتركيزها أقل على النماذج العملاقة المتقدمة، وأكثر على دمج الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد الحقيقي والمادي على نطاق واسع. وكما أشار فريد زكريا وإريك شميدت، فإن الرئيس الصيني شي جين بينغ يطرح الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة "موجهة نحو التطبيق"، وهو ما ينعكس بوضوح في سياسات بكين ومشترياتها الحكومية، مثل مشروعات "عقل المدينة" في ووهان، التي تدمج كاميرات المرور، وأجهزة إنترنت الأشياء، والمركبات ذاتية القيادة. قطاع التصنيع الميدان الحقيقي للمنافسة يتجلى في قطاع التصنيع، حيث تتقدم الصين بسرعة في مجال "الذكاء الاصطناعي المتجسد". فالصين تشغّل نحو مليوني روبوت صناعي، وأضافت وحدها قرابة 295 ألف روبوت في عام 2024، وهو عدد يفوق ما ركبه باقي العالم مجتمعًا، ومعظم هذه الروبوتات تُصنع محليًا. في المقابل، ركبت المصانع الأمريكية نحو 34 ألف روبوت فقط. هذه الروبوتات الصينية تعمل أو ستُعزَّز بتطبيقات ذكاء اصطناعي أصغر حجمًا، لا تتطلب القدرات الهائلة من المعالجة والتشغيل التي تحتاجها روبوتات الدردشة الغربية المتقدمة. ووفقًا لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية، فإن أكثر من 60 في المئة من كبرى الشركات الصناعية الصينية ستعتمد شكلًا من أشكال دمج "الذكاء الاصطناعي والتصنيع" بحلول نهاية عام 2025. كما ينص المخطط الخماسي الرابع عشر للصين على تحقيق تحول ذكي شامل في الصناعة، بحيث يُدمج الذكاء الاصطناعي في 70 في المئة من القطاعات الرئيسية بحلول 2027، و90 في المئة بحلول 2030، و100 في المئة بحلول 2035. الحوسبة العملاقة في الولايات المتحدة، لا توجد خطة مماثلة أو معايير واضحة، رغم وجود جيش من رواد الأعمال الذين يطورون تطبيقات جديدة عبر الاقتصاد. فالرهان الأمريكي يقوم على الحوسبة العملاقة والنماذج اللغوية المتزايدة الحجم في سبيل الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام قد يطلق عصرًا من النمو الاقتصادي والانفجارات العلمية. وهذا يختلف جذريًا عن النهج الصيني القائم على خطة مركزية مدعومة بالحوافز والقيود لضمان الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي داخل القطاع الصناعي. وكما قال تشارلي مانغر ذات مرة: "أرني الحوافز، أريك النتائج". ففي الولايات المتحدة، تميل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى أن تكون استهلاكية أو برمجيات مؤسسية لأن الأرباح السريعة تكمن هناك. أما في الصين، فيُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمدخل للإنتاج وليس كمنتج بحد ذاته. السؤال الاستراتيجي هو ما إذا كان الذكاء المنتشر في صلب الاقتصاد المادي سيكون أكثر تحولًا على المدى الطويل من حكمة نموذج لغوي مستقبلي فائق التطور. قد يكون لكلا النهجين مزاياه، لكن من الخطأ الاستخفاف بالمسار الصيني أو الافتراض بثقة مفرطة أن التفوق الأمريكي في النماذج سيحسم المعركة. ضوابط التصدير وينعكس هذا الاختلاف أيضًا في السياسات، لا سيما فيما يتعلق بضوابط التصدير. فقد أعلنت وزارة التجارة الصينية مؤخرًا حزمة قيود واسعة على صادرات المعادن النادرة والتقنيات المرتبطة بها، في خطوة تقلب العقيدة الأمريكية القائمة على "ساحة صغيرة وسياج مرتفع" إلى ما يمكن وصفه بـ"ساحة كبيرة وسور عظيم". وتشمل القيود مواد حيوية مثل الغاليوم والجرمانيوم والغرافيت والتنغستن، وتمتد لتشمل أي منتج يحتوي حتى على نسبة ضئيلة من هذه المواد أو يعتمد على تقنيات صينية في إنتاجها. في المقابل، ركزت واشنطن على تقييد وصول الصين إلى الرقائق المتقدمة. وبذلك، قد تتمكن الولايات المتحدة من حرمان الصين من رقائق اليوم، لكن الصين تمتلك القدرة على جعل تصنيع رقائق الغد أكثر صعوبة وكلفة. السيارات الكهربائية تتجاوز التداعيات قطاع أشباه الموصلات لتطال السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والحوسبة المتقدمة. وفي عالم تستطيع فيه الصين التحكم في صمامات المواد الخام الحيوية، لا يمكن تجاهل استراتيجيتها القائمة على الذكاء الاصطناعي الصناعي. وتزداد دلالة هذه الخطوات مع اقتراب لقاء مرتقب بين الرئيس دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ. فهل تسعى بكين إلى إبطاء السباق الأمريكي؟ أم إلى امتلاك أوراق تفاوضية؟ أم إلى إرسال رسالة مفادها أن أدوات النفوذ الاقتصادي يمكن استخدامها كما تفعل واشنطن؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة عن سؤال من سيخرج فائزًا في هذا السباق المعقد، إن كان هناك فائز واحد أصلًا. المصدر: "مجلس العلاقات الخارجية"