- على مدى عقود طويلة، كانت وصية عالم الأعمال مقدسة وبسيطة: "اسحق منافسك". ولا عجب في ذلك، فقد كانت السوق حلبة مصارعة، والربح لعبة صفرية لا مكان فيها إلا لمنتصر واحد. - لكن في عام 2025، تبدو هذه الفلسفة الدموية وكأنها أثر من عصور غابرة. فالشركات التي تزدهر اليوم لا تكتفي بتوجيه ضربات أقوى لمنافسيها، بل تمارس فنًا قد يبدو للوهلة الأولى ضربًا من الجنون: فن التحالف مع العدو. - يُعرف هذا المفهوم الثوري باسم "التنافس التعاوني" (Co-opetition)، وهو مزيج عبقري بين كلمتي التعاون (Cooperation) والمنافسة (Competition). - إنه يعني إقامة شراكات استراتيجية مع المنافسين في المجالات التي تحقق قيمة متبادلة، مع الاستمرار في التنافس الشرس على العملاء في مجالات أخرى. - لا تتخيل الأمر كنزال ملاكمة ينتهي بفائز ومهزوم، بل كعملية بناء ملعب أكبر وأكثر فخامة، يتسع لكلا الفريقين للعب وجذب جمهور أوسع. - الشاهد هنا أن هذه الاستراتيجية لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة حتمية للنمو والبقاء في اقتصاد عالمي يزداد تعقيدًا وترابطًا. لماذا الآن؟ القوى الخفية التي تفرض التحالفات - إن التحول نحو "التنافس التعاوني" ليس وليد صدفة، بل هو نتيجة حتمية لقوى عالمية عميقة أعادت تشكيل مشهد الأعمال بالكامل. أبرز القوى الخفية التي تفرض التحالفات سلاسل التوريد المعقدة - لم يعد بإمكان أي شركة، مهما بلغت قوتها، السيطرة على سلسلة القيمة من الألف إلى الياء. - فالسيارة التي تقودها أو الهاتف الذي تحمله هو نتاج تعاون شبكة واسعة من الموردين والمصنعين. - في هذا الواقع، يصبح التعاون مع المنافسين أحيانًا الوسيلة الوحيدة لخفض التكاليف اللوجستية، وتقليل المخاطر، وتسريع وتيرة الابتكار. توقعات العملاء المتغيّرة - لم يعد العميل يكتفي بمنتج جيد، بل يبحث عن حلول متكاملة وسلسة. إنه يريد أن يعمل تطبيق الموسيقى في سيارته بسلاسة، وأن تتكامل برامج عمله بغض النظر عن الشركة المصنّعة. - وغالبًا ما تتطلب تلبية هذه التوقعات من عمالقة متنافسين ربط خدماتهم لتقديم تجربة موحدة، لأن العميل لا يهتم بحروب الشركات، بل يهتم بجودة تجربته. هيمنة الأنظمة التقنية (Ecosystems) - انظر إلى أبل ومايكروسوفت، العدوين اللدودين في الماضي. اليوم، تتكامل منتجاتهما بشكل متزايد لتلبية احتياجات الموظفين الذين يعملون عن بعد. - أدرك كلاهما أن قوتهما لا تكمن فقط في منتجاتهما المنفصلة، بل في قدرتهما على العمل ضمن نظام تقني أكبر وأكثر شمولاً. الكفاءة في استخدام رأس المال - بالنسبة للشركات الناشئة على وجه الخصوص، يمكن أن يكون التحالف مع منافس بمثابة طوق نجاة. - فبدلاً من إنفاق الملايين على بناء قنوات توزيع أو حملات تسويقية ضخمة، يمكن لشراكة ذكية أن تفتح الأبواب أمام أسواق جديدة، أو مستثمرين، أو باقات منتجات مشتركة كانت بعيدة المنال. عندما يتصالح العمالقة: قصص من أرض الواقع - تأتي أروع الأمثلة على نجاح هذه الاستراتيجية من شركات كانت تخوض حروبًا طاحنة فيما بينها، لكنها أدركت أن التعاون قد يكون أكثر ربحية من الصراع. قصص نجاح عملاقة سبوتيفاي وأوبر - سمحت الشركتان -في تحالف عبقري- لركاب أوبر بالتحكم في الموسيقى أثناء رحلاتهم عبر حساباتهم في سبوتيفاي. - النتيجة؟ حصلت سبوتيفاي على ساعات استماع إضافية، بينما قدمت أوبر تجربة أفضل لعملائها دون الحاجة إلى بناء خدمة موسيقى من الصفر. لقد كانت صفقة رابحة للجميع. بي إم دبليو وتويوتا - اجتمع العملاقان من صناعة السيارات لتطوير تقنيات خلايا الوقود والسيارات الرياضية. - فبدلاً من أن تستثمر كل شركة مليارات الدولارات بشكل منفصل في أبحاث وتطوير محفوفة بالمخاطر، تقاسمتا التكاليف والخبرات، مع الاستمرار في المنافسة الشرسة في صالات العرض. بيبسي وكوكاكولا - لا تراهما يتشاركان إعلانًا تجاريًا أبدًا، لكن خلف الكواليس، توحد العملاقان في مبادرات لإعادة التدوير. - أدركت الشركتان أن سمعة الصناعة بأكملها على المحك، وأن تحسين استدامة العبوات يخفض التكاليف ويفيد كلاهما على المدى الطويل. - الدرس المستفاد هنا واضح: "التنافس التعاوني" الحقيقي يخلق قيمة جديدة لم يكن بمقدور أي طرف تحقيقها بمفرده. دليل الشراكة الآمنة مع المنافسين - بالطبع، إن التعاون مع منافس ليس أمراً سهلاً، بل هو أشبه بالسير على حبل مشدود يتطلب توازنًا ودقة. فإذا تمت إدارته بشكل سيئ، قد يؤدي إلى تسريب معلومات حساسة أو إرباك العلامة التجارية. لتجنب هذه الفخاخ، اتبع هذه القواعد الذهبية. دليل الشراكة الآمنة مع المنافسين اختر المنافس المناسب - لا تبحث عن نسخة طبق الأصل من شركتك، بل ابحث عن منافس يمتلك نقاط قوة تكميلية. - فمثلًا، إذا كنت قويًا في التكنولوجيا وضعيفًا في التوزيع، ابحث عن شريك يمتلك العكس. ضع حدودًا واضحة - قبل البدء، يجب توقيع اتفاقيات صارمة تحدد ما هي البيانات التي ستتم مشاركتها، وما هي الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، وكيف سيتم قياس نجاح الشراكة. ابدأ بخطوات صغيرة - لا تقفز مباشرة إلى شراكة عميقة. ابدأ بمشروع تجريبي منخفض المخاطر، مثل ندوة إلكترونية مشتركة أو تقرير بحثي، لاختبار الثقة والتوافق قبل الالتزام بتعاون أعمق. اجعل العميل هو الحكم - يجب أن يكون الهدف النهائي للشراكة هو تحسين تجربة العميل. إذا لم تحقق الشراكة هذه الغاية، فهي ليست تنافسًا تعاونيًا حقيقيًا، بل مجرد تحالف مصالح ضيق. لا تنسَ أنك لا تزال منافسًا - التعاون في مجال معين لا يعني التخلي عن المنافسة في مجالات أخرى. المنافسة الصحية تبقي كلا الطرفين في حالة تأهب وتدفع نحو الأداء الأفضل. المستقبل لا مفر منه: عالم تحكمه شبكات التعاون - إن التحول من عقلية "الندرة" التي ترى السوق ككعكة ثابتة يتصارع عليها الجميع، إلى عقلية "الوفرة" التي تسعى لتكبير حجم الكعكة نفسها، هو جوهر نجاح رواد الأعمال في المستقبل. انظر حولك، وستجد أن هذا النموذج أصبح هو القاعدة: - يتيح سوق أمازون لبائعين خارجيين بيع منتجاتهم، حتى لو كانوا ينافسون علامات أمازون التجارية الخاصة. - تحالف جوجل وسامسونج لتعزيز نظام الساعات الذكية في مواجهة هيمنة أبل.- تبني شركات الطيران، التي تعمل في واحدة من أشرس الصناعات، تحالفات عالمية مثل "ستار ألاينس" لتوسيع شبكاتها. - الرسالة واضحة لرواد الأعمال وقادة الشركات: النمو في العقد القادم لن يأتي من المنافسة الشرسة، بل من التعاون الأكثر ذكاءً. - وكما يقول المثل الأفريقي: "إذا أردت أن تسير بسرعة، فاذهب وحدك. وإذا أردت أن تصل بعيدًا، فاذهب برفقة الآخرين". - في عالم اليوم، قد يعني ذلك أن تسير أحيانًا مع منافسك. المنطق بسيط: لا توجد شركة واحدة يمكنها امتلاك كل الموارد أو التكنولوجيا أو الأسواق. - من خلال إيجاد مساحات تتلاقى فيها المصالح، يمكن حتى للأعداء فتح أسواق جديدة، وتقاسم التكاليف، وتشكيل ملامح الصناعات بطرق كانت مستحيلة في الماضي. - لا يعني "التنافس التعاوني" التخلي عن المنافسة، بل يعني إتقان فن معرفة متى تنافس، ومتى تتعاون، لينمو الجميع بشكل أقوى على المدى الطويل. المصدر: إنتربرينير