د. محمد الصياد قوانين الاقتصاد محدودة، وعمل دينامياتها الداخلية وتأثيراتها الخارجية ليست بنفس صرامة مفاعيل ونتائج قوانين الفيزياء مثلاً. ولعل كل الخلاصات والمفاهيم التي أنتجها الاقتصاديون وأنشأوا على أساسها ما يسمى اليوم بعلم الاقتصاد، تدور حول قانون محوري واحد هو قانون العرض والطلب. الاقتصاد يفتقر إلى قوانين عالمية ثابتة كما هي حال الفيزياء، بل لديه «قوانين» تصف الميول والتوجهات، التي تخضع للسلوك البشري والظروف المتغيرة. فالقوانين الاقتصادية، مثل قانون العرض والطلب، هي في الواقع ميول أو مبادئ تتحقق في ظل افتراضات معينة، ولكنها ليست مطلقة أو قابلة للتنبؤ مثل قوانين الفيزياء. والاقتصاديون هم في الواقع خبراء يدرسون العلاقة بين موارد المجتمع وإنتاجه، ويحللون السلوك الاقتصادي للأفراد والشركات والمجتمعات المحلية والدول، وصولاً إلى المستوى العالمي. ويقدمون نتائج خلاصاتهم كمشورة لمجموعة واسعة من السياسات وسبل تطبيقها، بدءاً من أسعار الفائدة وقوانين الضرائب وصولاً إلى استراتيجيات الشركات واتفاقيات التجارة الدولية. والأكيد أن مجال الاقتصاد صار أوسع بكثير من ذاك الذي كان سائداً إلى ما قبل الرأسمالية. لذلك يرتبط علم الاقتصاد أساساً بالرأسمالية، بمدارسها الفكرية المتنوعة، مثل الاقتصاد الكلاسيكي الرأسمالي والماركسي، والاقتصاد الكينزي، والاقتصاد الكلاسيكي الجديد، والكينزي الجديد والليبرالي الجديد.قبل الرأسمالية، لم تكن هناك قوانين اقتصادية بالمعنى العلمي الدقيق، بقدر ما كانت هناك (إبان الأنظمة الاقتصادية الاجتماعية التي سادت قبلها، وتحديداً حقبة الإقطاعية وحقبة العبودية التي سبقتها)، ممارسات استحالت أعرافاً وتقاليد، يأتي نظام المقايضة السلعية في مقدمتها. لكن قانوناً واحداً كان يضمر نفسه في ثنايا تلك العلاقات التبادلية السلعية، وهو قانون القيمة الذي سيضع فيما بعد أحد القوانين الاقتصادية الأساسية للرأسمالية. بل إن سعر السلعة لا يستقيم من دون أن يضمر في داخله قانون القيمة. فالسعر لا يستطيع أن يشط بعيداً عن القيمة وإنما يدور حولها وإلا اختل التوازن كما حدث على سبيل المثال في أسعار أسهم سوق المناخ في الكويت في 1982، وكما هو حادث الآن في وول ستريت، حيث تعيد فقاعة أسعار أسهم كبريات الشركات المدرجة، إلى الأذهان، شبح الفقاعة التي انفجرت في أزمة 2008 الشهيرة.قوانين الفيزياء مطلقة لا تتغير تحت أي ظرف، حيث يعتبر علم الفيزياء أكثر العلوم رسوخاً، يليه علم الكيمياء. ليست هذه هي الحال بالنسبة للاقتصاد. فالاتجاهات السلوكية ليست قوانين طبيعية لأنها ليست ثابتة. والبشر، كمجاميع، لا يمكن التنبؤ بهم. وعلى أساس هذا الترتيب، يتجه الاقتصاد إلى اتجاه معاكس تماماً، متجاوزاً علم الأحياء، ليدخل في مكان ما بين الأنثروبولوجيا وعلم النفس. الاقتصاد من صنعنا نحن البشر، وهو تراكم لما يفعله الجميع، تماماً مثل العلوم الاجتماعية. لذلك يبدو القول بأن الاقتصاد هو أحد العلوم الاجتماعية، صحيحاً إلى حد كبير، وإن كان الاقتصاد يتميز ويتمتع بتجرد أكبر بكثير من التخصصات الأخرى المصنفة ك»علوم اجتماعية». بهذا المعنى، قد يُنظر إليه كحالة فريدة بين العلوم الاجتماعية، تماماً مثلما يُعتبر المنطق حالة مميزة بين العلوم المادية. كما أن الاقتصاد يُعلّمنا أشياءً معينة عن أنفسنا إذا كنا دقيقي الملاحظة.ويمكن القول بأن الاقتصاد أقرب إلى النظرية منه إلى القانون. والنظريات تتغير بتغير الزمن. لكن الصحيح أيضاً، أن النظرية، بما هي عناصر الظاهرة التي تدور داخلها بصورة منتظمة وشبه ثابتة، تقارب القانون من هذه الزاوية. وهذا هو السبب المرجح لإطلاق مسمى القوانين على بعض هذه النظريات، كما هي الحال، على سبيل المثال لا الحصر، بالنسبة لقانون تناقص الغلة أو قانون الإنتاجية المتناقصة «Law of Diminishing Returns» الذي هو في الواقع نظرية ظهرت بعد الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر واستدل عليها كلاسيكيو القرن التاسع عشر ومنهم ديفيد ريكاردو، ومفادها أنه في حال زيادة أحد عوامل الإنتاج (مثل العمالة) مع ثبات العوامل الأخرى (مثل رأس المال والأرض)، فإن الإنتاجية الإجمالية ستزيد في البداية، لكنها ستصل إلى نقطة تبدأ بعدها الإنتاجية الإجمالية في الزيادة بمعدل متناقص، ثم تتناقص بشكل مطلق في النهاية. مع ذلك تبقى هذه الفرضية، تقديرية نسبياً وليست مطلقة. فالأمر يتعلق في نهاية المطاف بعوامل شتى ومتغيرة، يصعب التكهن باتجاهاتها. وهناك قانون يقارب قانون تناقص الغلة، وهو قانون ميل معدل الربح للانخفاض، توصل إليه الاقتصادي الكلاسيكي الألماني كارل ماركس في مطلع القرن التاسع عشر، يقول فيه بأن تنافس أصحاب الرساميل على القطاعات والأنشطة الاقتصادية ذات الربحية العالية، وتكالبهم على الفوز بحصة فيها، يؤدي في نهاية المطاف إلى ميل معدل الربح في هذه القطاعات والأنشطة المتنافَس والمتكالَب عليها، إلى الانخفاض. وهذه هي حال جميع النظريات الاقتصادية تقريباً التي صارت تعتمد بصورة كلية ومفرطة على الرياضيات لإثبات صحة مذاهبها. فتجري الاستعانة بها في إنشاء نماذج تُظهر العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية المختلفة، مثل كيفية تفاعل العرض والطلب، وتحليل البيانات وتقييم المخاطر. *خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية