في فيلم ذا دارك نايت "The Dark Knight"، وهو جزء من ثلاثية المخرج "كريستوفر نولان" عن باتمان، لا يظهر "الجوكر" (شخصية رئيسية بالفيلم) كشرير تقليدي يسعى للمال أو السلطة فقط، بل كشخصية فوضوية.

هذه الشخصية التي يقدمها الفيلم كعامل اختبار للنظام القائم، ترى أن الخلل الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في طريقة تركّزها وانجذاب الجميع إليها.
فهو لا يهدم المدينة بالقوة المباشرة، بل عبر لعبة أكثر دهاءً وهي جذب الانتباه والرهان إلى نقطة واحدة، ثم مراقبة ما يحدث عندما تُسحب الموارد – والقرارات – من بقية المنظومة.
وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم دلالة، لا يحتاج الجوكر إلى السيطرة على كل شيء، بل يكفيه أن يصبح "مركز الجاذبية"، فتتحرك كل القطاعات بما فيها الإعلام، ورجال المال، وحتى المواطنين، وفق إيقاعه، بينما تبدأ بقية المدينة في التفكك بصمت.
هذا المنطق السينمائي، القائم على تركّز الانتباه والموارد بدل توزيعها، لا يبدو بعيدًا عن واقع أسواق المال الحديثة، حيث لا تتحرك السيولة دائمًا نحو الفرص الأكثر كفاءة، بل نحو القصص الأكبر، والأسماء الأعلى ضجيجًا، والطروحات الأضخم حجمًا.
وفي عالم الطروحات العامة الأولية، باتت الاكتتابات العملاقة تمثل هذه "البؤر"، إذ تستقطب الاهتمام والسيولة في وقت واحد، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تؤدي هذه الطروحات إلى دعم وتعميق السوق، أم إلى إضعاف ما حولها؟
الطروحات الكبرى.. نافذة نمو أم مصيدة؟
لطالما شكّلت الطروحات العامة الأولية (IPO) أحد أهم المؤشرات على صحة أسواق المال العالمية ومستوى ثقة المستثمرين وآفاق توسّع الشركات.
فعندما تتحول الشركات إلى مساهمة عامة، فإنها لا تجمع التمويل اللازم للنمو فحسب، بل تسهم أيضًا – نظريًا – في زيادة السيولة وتعميق الأسواق المالية، بما يجعلها أكثر جذبًا لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
ورغم عودة نشاط الطروحات الكبرى وارتفاع أحجامها في بعض الأسواق، تزايدت التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الطروحات تعزز عمق السوق فعليًا، أم تؤدي لتجفيف السيولة من بقية السوق عبر تركيز الأموال في عدد محدود من الاكتتابات الضخمة.
وبين عامي 2024 و2025، شهدت أسواق الطروحات العالمية تحولات واضحة، حيث برزت مناطق مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كمراكز نشطة للاكتتابات، في وقت تستعد فيه شركات تكنولوجية كبرى في الولايات المتحدة وآسيا لطرح أسهمها للاكتتاب العام.
إلا أن هذه التطورات تجري في ظل بيئة اقتصادية معقدة تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وتوترات تجارية، وحذر متزايد من المخاطر.

ووفق تقارير عالمية، شهد سوق الطروحات في العالم خلال النصف الأول من 2025 نحو 539 إدراجًا جمعت حوالي 61.4 مليار دولار أمريكي، مع صعود حصة الصين مقابل انخفاض حصة أوروبا.
في المقابل تشير بيانات مجموعة بورصات لندن، التي تغطي الأسواق الكبرى فقط، إلى أن نشاط الاكتتابات في تلك الأسواق تراجع إلى نحو 44.3 مليار دولار أمريكي في 2025، وهو أدنى مستوى منذ تسع سنوات.
ويرجع ذلك إلى تقلبات السوق وارتفاع أسعار الفائدة، ما دفع بعض الشركات إلى تأجيل أو إلغاء خطط الإدراج، وبالتالي خفض السيولة الإجمالية المتاحة في الأسواق الرئيسية.
كما أن الاكتتابات الكبرى قد تستقطب سيولة قوية في البداية، ولكنها لا تضمن تدفقًا مستدامًا في السوق الثانوية، إذ إن انخفاض الأسعار بعد الإدراج يعني خسارة ثقة المستثمرين، ما يؤدي إلى سحب السيولة من الأسهم الأخرى وتضييق نطاق التداول في السوق ككل.
فعلى سبيل المثال انخفض سهم شركة جلوتيس للخدمات اللوجستية خلال أكتوبر 2025، في بورصة بومباي، بما يصل إلى 37% من سعر الاكتتاب خلال أول يوم تداول في البورصة الهندية، وهو هبوط حاد مقارنة بسعر الطرح الأولي.
ورغم أن نشاطها يتعلق بخدمات حيوية؛ إلا أن تراجع سعر سهمها بكل تلك النسبة بعد الإدراج يعكس أن أداء الأسهم بعد الطرح الأولي لا يعتمد فقط على نشاط الشركة بل أيضًا على توقعات السوق وحجم السيولة وعوامل أخرى.
نشاط الطروحات وتأثيره على الأسواق
بعد التراجع الحاد الذي شهدته أسواق الطروحات خلال جائحة كوفيد-19، بدأت وتيرة الاكتتابات العالمية في التعافي، ولكن بشكل غير متوازن بين المناطق، وقد برزت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كأحد أكثر الأقاليم نشاطًا في هذا المجال.
ففي الربع الأول من عام 2025، شهدت المنطقة 14 طرحًا عامًا أوليًا جمعت نحو 2.4 مليار دولار، بزيادة تفوق 100% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، وقادت هذا النشاط اكتتابات في قطاعات متنوعة مثل التطوير العقاري، والرعاية الصحية، والخدمات المالية.
كما سجل الربع الثالث من 2025 إدراج 11 شركة إضافية جمعت قرابة 700 مليون دولار أمريكي، بزيادة سنوية بلغت 120%، وتعكس هذه الأرقام تنامي شهية المستثمرين وتوسع قاعدة الشركات المدرجة.

على المستوى العملي، يظهر أن الطروحات العامة الكبرى يمكن أن تكون لها تأثيرات متفاوتة على أسواق الأسهم.
ففي هونغ كونغ، ساهمت موجة الاكتتابات والإدراجات في دعم ارتفاع مؤشر هانغ سينغ بنسبة تجاوزت 21% في النصف الأول من 2025، مما يشير إلى زيادة نشاط التداول وجذب السيولة.
أما في بعض أسواق الشرق الأوسط، فقد تراجع أداء أسهم شركات طرحت حديثًا بعد إدراجها، ما يعكس أن بعض الاكتتابات الكبرى قد تواجه ضعفًا في الأداء بعد الإدراج، وبالتالي لا تضمن انعكاسًا إيجابيًا للسيولة.
ويشير هذا الأمر إلى أن جميع الأسواق لا تعكس الصورة نفسها، إذ تُظهر بعض التجارب أن السيولة تظل متركزة في عدد محدود من الأسهم الكبرى، رغم ازدياد عدد الطروحات.
الطروحات العملاقة وتركيز رأس المال
تُعد الطروحات العملاقة العامل الأكثر إثارة للجدل في نقاش السيولة، ففي الولايات المتحدة، شهد عام 2025 طرح شركة ميدلاين في اكتتاب عام جمع نحو 6.3 مليار دولار أمريكي، ليكون الأكبر عالميًا في ذلك العام.
وقد عكس هذا الطرح عودة شهية المستثمرين للشركات المدعومة من صناديق الاستثمار الخاصة، رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية.
وفي آسيا، شهدت بورصة هونغ كونغ نشاطًا لافتًا لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الصينية، حيث جمعت ست شركات على الأقل نحو 900 مليون دولار أمريكي.
وسجّل بعض هذه الأسهم ارتفاعات قوية بعد الإدراج، من بينها شركة بيرن تكنولوجي، التي قفز سهمها بنحو 120% في أولى جلساته.
كما يتوقع محللون أن يشهد عام 2026 طرح ما بين 200 و230 شركة عالميًا، مع إمكانية جمع ما بين 40 و60 مليار دولار أمريكي، تقودها شركات في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء، مثل سبيس إكس، وأوبن إيه آي، وأنثروبيك.
ورغم أن هذه الطروحات تعزز جاذبية الأسواق وتستقطب تدفقات رأسمالية كبيرة، إلا أن العديد من المحللين يرون أنها غالبًا ما تؤدي إلى تركيز السيولة في عدد محدود من الشركات ذات الزخم الإعلامي العالي، على حساب الشركات الصغيرة والمتوسطة.
الأثر السلوكي والهيكلي للطروحات على السيولة
لا يقتصر تأثير الطروحات العامة على حجم الأموال المجمعة فقط، بل يمتد إلى سلوك المستثمرين وهيكل السوق، ففي بعض الأسواق الناشئة، أسهم تنوع الطروحات في تعزيز التداول وتحسين اكتشاف الأسعار، ما دعم مفهوم تعميق السوق.
في المقابل، عندما يتركّز اهتمام المستثمرين – خصوصًا المؤسسات الكبرى – في عدد قليل من الاكتتابات الضخمة، تتراجع السيولة في باقي السوق، ويظهر ما يُعرف بالسيولة المجزأة، حيث تنشط التداولات في أسهم محددة فقط.
كما أن أداء الأسهم بعد الإدراج يلعب دورًا محوريًا؛ فالاكتتابات التي تحقق مكاسب قوية تعزز الثقة وتجذب المزيد من المستثمرين، بينما تؤدي الطروحات الضعيفة أو المتقلبة إلى عزوف رؤوس الأموال والعودة إلى الأصول الأقل مخاطرة.
وتُظهر التجارب الحديثة أن الطروحات يمكن أن تسهم في تعميق الأسواق عندما تكون متنوعة قطاعيًا وجغرافيًا، كما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط.
في المقابل، تكشف الطروحات العملاقة عن جانب آخر أقل إشراقًا، يتمثل في تركيز السيولة واحتكار الاهتمام الاستثماري من قبل عدد محدود من الشركات الكبرى، ما قد يحدّ من استفادة السوق ككل.
وعليه، فإن الإجابة عن سؤال ما إذا كانت الطروحات تعمّق السوق أم تضيق السيولة تعتمد على هيكل السوق، وتنوع الطروحات، وسلوك المستثمرين، والإطار التنظيمي. ومن دون سياسات متوازنة تشجع الإدراج الواسع وتدعم السوق الثانوية، قد تتحول الطروحات من أداة لتعميق الأسواق إلى عامل يزيد من اختلالاتها.
المصادر: أرقام- برايس ووترهاوس- وكالة رويترز- موقع بيزنس إنسايدر- مجلة بارونز- موقع تيبس تريد- بي آر نيوزواير- مجموعة بورصات لندن- ذا أكنوميك تايمز
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
