اقتصاد / صحيفة الخليج

الوفرة غير الرشيدة في الأسواق المالية

د. عبدالعظيم حنفي*

حتى بعد كل هذه السنوات على اندلاع الأزمة المالية في 2008، لا تزال رفوف المكتبات في مختلف بلدان المعمورة تشهد سلسلة من الكتب التي جعلت من تلك الأزمة موضوعا لهاً، حاول مؤلفوها شرح أسباب الأزمة ونتائجها. برغم أنه قد قيل الكثير، بل و«أكثر مما ينبغي»، في ما يتعلّق بالجوانب المالية من تلك الأزمة الاقتصادية التي لم ير الغرب والعالم مثيلاً لها منذ «الانحسار الاقتصادي» الكبير الذي أنتج أزمة 1929. لكن على خلفية التحديات الكبرى التي يواجهها العالم اليوم هناك من يرى من علماء الاقتصاد أن هناك أزمة أكبر وأخطر تلوح في الأفق وإذا لم يتم اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة ويشترك فيها الجميع تقريباً فإن الأزمة القادمة ستكون بمثابة «كارثة حقيقية».
هناك مدرستان كبيرتان في التاريخ الاقتصادي للأمم، إحداهما ترى أن الناس لا يتعلمون كثيراً من دروس التاريخ والأزمات السابقة، وأنهم ينزعون دائماً لتكرار الأخطاء والهفوات، فيما تذهب المدرسة الأخرى إلى عكس ذلك، مؤكدة أنه مع كل أزمة تتحسن قدرة الناس على الاستجابة بالنظر إلى تراكم التجارب والخبرات وتعلم الدروس، وفي ظل هذه المدرسة الأخيرة يتم تقييم الكساد والركود، الاستخدام الجيد والسيئ للتاريخ من خلال مقارنة الطريقة التي استجاب بها المسؤولون سواء في الولايات المتحدة، أو أوروبا، للأزمة الاقتصادية في 2008، وبين تلك التي تعامل بها المسؤولون في ثلاثينيات القرن الماضي مع الكساد العظيم.
وانطلاقاً من هذه المقارنة يتم السعي للإجابة عن سؤال جوهري ظل قابعاً في العتمة منذ 2008 هو: هل تعلم المسؤولون أثناء محاولاتهم التعامل مع الركود من دروس الماضي وتحديداً الكساد العظيم الذي هز الاقتصاد العالمي في بداية القرن الماضي؟ ليس هناك إجابات حاسمة ويظل السؤال المطروح: كيف وقعت الأخطاء والهفوات في التعاطي مع الأزمة عام 2008، على رغم أن المسؤول الأول في أمريكا وقتها ورئيس الاحتياطي الفيدرالي، لم يكن سوى «بن برنانكي»، أحد مريدي الاقتصادي البارز «ميلتون فريدمان» الذي تخصص في دراسة الكساد العظيم ووصف له الدواء؟
تجيب دراسات أن فهم المسؤولين الأمريكيين لتشخيص «فريدمان» كان حرفياً للغاية، فقد ركز ذلك الاقتصادي في دراسته لكساد الثلاثينيات على خصائص النظام المصرفي وقتها، حيث عانت المصارف من تسابق المودعين على سحب أموالهم، ما تسبب في الأزمة، ولكن مثل هذه الإشكالية ما عادت قائمة عام 2008 بالنظر إلى الإصلاحات التي أُدخلت على النظام المصرفي وباستحداث نظام التأمين على الودائع. وكان للطفرة الائتمانية والفقاعة العقارية التي وسمت الكساد العظيم الدور نفسه في اندلاع أزمة 2008، هذا ناهيك عن دور التكنولوجيات الحديثة سواء في الأزمة السابقة عندما اكتشفت الكهرباء، أو الحديثة مع ظهور الإنترنت مما ساهم في تعزيز الثقة في الاقتصاد والأسواق وإدامة الرخاء الذي ثبت أنه هش وغير مستدام.
وهنا تجب الإشارة الى إسهامات روبرت ج. شيللر باعتباره أورد في بعض من أكثر كتبه مبيعاً مثل «الأسواق الكلية» و«النظام المالي الجديد» مبرر خلق أسواق مالية جديدة يستطيع الأفراد فيها أن يتفادوا أهم الأخطار التي تؤثر فيهم مثل أخطار الدخل أو أسعار المساكن، وقد ترسخت شهرة شيللر في شؤون التمويل والاقتصاد الكلي لدى الجمهور العام مع ظهور مؤلفه عن السلوك غير الرشيد في الأسواق المالية – خاصة قدرته الباهرة على تحديد «الوفرة غير الرشيدة» وفقاعات المضاربة في مرحلة مبكرة، بالنسبة لكل من سوق الأوراق المالية وأسعار الإسكان.
الحقائق المتعلقة بقدرة شيللر على تحديد فقاعات أسعار الأصول. في 1996، لاحظ أن نسبة سعر الإيراد في سوق الأوراق المالية بلغت ذروة تاريخية، وأكد (والمسلم به أن ذلك سبق هذا بأربع سنوات) أن التقديرات مغالى فيها في سوق الأوراق المالية والمرجح أن تنهار. وأوضح وجهة نظره في الطبعة الأولى من كتاب «الوفرة غير الرشيدة» التي خلا توقيتها من الخطأ والتي نشرت في مارس 2000، مع انفجار فقاعة الإنترنت: وقدم بصفة خاصة تحليلاً مقنعاً للعوامل السيكولوجية الكامنة وراء تكون فقاعات المضاربة.
وفي دراسة أوراق بروكينجز التي أصدرها في 2003 مع كارل كيس، وفي الطبعة الثانية من الوفرة غير الرشيدة (2005)، أثبت شيللر أن أسعار المساكن بدأت تشبه «صاروخاً يقلع منطلقاً»، على الرغم من عدم حدوث تطورات في عوامل أساسية مثل تكاليف البناء، السكن، أو أسعار الفائدة يمكن أن تفسر هذا الإقلاع في الانطلاق. وتزامنت تلك الشهرة مع دراسة شيللر لما أسماه أزمة الرهن العقاري الثانوي وهي اسمٌ لنقطة تحول تاريخية في الاقتصاد وثقافتها. وقال إن تلك الأزمة، في جوهرها، انكماش فقاعة المضاربة في سوق الإسكان، التي بدأت في الولايات المتحدة عام 2006، وانتشرت بعد ذلك عبر العديد من البلدان الأخرى في شكل إخفاقات مالية وأزمة ائتمان عالمية. وصح توقعه باستمرار القوى التي أطلقتها أزمة الرهن العقاري الثانوي في التفاقم، مما هدد بمزيد من الأضرار الجانبية. إن الاضطراب في أسواق الائتمان في الولايات المتحدة ذو أبعاد تاريخية بالفعل، وستكون له آثار اقتصادية مهمة. والأهم من ذلك، أن هذه الأزمة قد أطلقت تغييرات مجتمعية جوهرية - تغييرات تؤثر في عادات الأمريكيين الاستهلاكية، وقيمهم، وعلاقاتهم ببعضهم بعضاً. وتوصل الى نتيجة، «سنعيش جميعاً ونتعامل مع بعضنا بعضاً بشكل مختلف بعض الشيء».

* كاتب - أستاذ العلوم السياسية والاقتصادية

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا