منذ عام 1965 وحتى عام 2024، حقق "وارين بافيت" أرباحًا سنوية بمتوسط بلغ 19.4%، متفوقًا على المتوسط السنوي لمؤشر "ستاندرد آند بورز 500"، الذي بلغ 10.4% عن الفترة ذاتها.
لذا عمد كثيرون إلى اختيار ما يُعرف بـ"الطريق السهل"، عبر شراء محفظة استثمارية مشابهة أو حتى مطابقة لمحفظة "بافيت"، أملًا في تحقيق النجاح نفسه، فيما اختار آخرون مستثمرين غير "بافيت" ممن عُرفوا بالنجاح في السوق، محاولين تكرار تجربتهم من خلال اقتفاء أثرهم.

عقبات كبيرة
ولكن هذا الأسلوب، الذي يبدو منطقيًا وسهلًا للوهلة الأولى، تحيط به العديد من العقبات التي قد تحول دون قدرة "مستثمر الظل" أو "المستثمر المقلد" على تحقيق هدفه في الحصول على أرباح كبيرة عبر التداول.
فعلى سبيل المثال، عندما أقدم "بافيت" نفسه على شراء أسهم شركة النفط الأمريكية العملاقة "شيفرون" في الربع الأول من عام 2023، لم يكن ذلك معلومًا في الأسواق آنذاك، بل لم يتكشف الأمر إلا بعد صدور الإفصاح ربع السنوي عن التحركات.
ومع إقبال "المستثمرين المقلدين" على شراء سهم "شيفرون" في فترة زمنية محدودة، سجّل السهم خلالها صعودًا بنسبة 10% في غضون شهرين فحسب، ويمكن القول هنا إن هناك "ترندا" في السوق ترسّخ بضرورة شراء سهم "شيفرون"، انطلاقًا من فكرة أنه إذا رأى "بافيت" فيها شيئًا مختلفًا، فإن هذا غالبًا يعني أنها تستحق.
إلا أن هذا المسار الصاعد لم يستمر، إذ شهد السهم تراجعًا حادًا بعد شهرين من ارتفاعه، وذلك بعد أن رأى بعض كبار المستثمرين في الشركة أن الارتفاع بنسبة 10% خلال شهرين يشكّل فرصة مناسبة للبيع، وأن السهم قد لا يبلغ قممًا أعلى في وقت قريب، مما أدى إلى انخفاض إجمالي تجاوز 8% خلال فترة ستة أشهر فحسب.
لذا يمكن القول إن من اشترى سهم "شيفرون" استجابةً لـ"الترند" تكبّد خسائر ولم يحقق مكاسب، إذ اشترى عند مستويات سعرية تفوق أسعار "بافيت" بنسبة قد تصل إلى 10%، كما أن كثيرين قاموا بالبيع مع الانخفاض بدافع مخاوفهم من خسارة المزيد من رؤوس أموالهم.

تجاهل أسباب الاستثمار
وعلاوة على ما سبق، كان العامل الحاسم هو الانخفاض الكبير في إيرادات الشركة خلال الربع الثالث من عام 2023، إذ أدى هذا التراجع إلى خروج موجات من المتداولين الذين دخلوا السوق بدافع المحاكاة لكبار المستثمرين، دون وعي كافٍ بالمخاطر.
ونتيجة لحالة الخروج الجماعي التي سادت بسبب ضعف النتائج المالية، شهد السهم انخفاضًا حادًا في يوم واحد من شهر أكتوبر بنسبة بلغت 5%.
ويمكن القول إن ذلك يرجع إلى أن مستثمري الظل يكتفون بـ"التقليد" دون تحليل كافٍ لدوافع المستثمر الكبير للشراء، فشركة مثل "شيفرون" تتميّز بتوزيع أرباح منتظمة بنسبة لا تقل عن 4% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بما يجعلها سهمًا مرغوبًا لمستثمر طويل الأمد مثل "بافيت".
وعلى الرغم من الانخفاض الذي حدث في أواخر 2023، فإن أسهم الشركة ارتفعت بنسبة 71% خلال خمس سنوات، من بداية 2021 وحتى يناير 2026، ما يجعلها ملائمة لإطار المستثمرين طويلي الأمد الباحثين عن نمو مستقر، حتى في فترات التعثر، يصاحبه في هذه الحالة توزيع أرباح بنسبة جيدة.
لذلك، فإن توقيت الدخول، ولاحقًا الخروج من السوق، غالبًا ما يكون مجحفًا بحق مستثمري الظل أو المقلدين، إذ يدخلون بعد بدء حالة من الزخم حول السهم، ويخرجون بعدما يكون المستثمر الكبير قد خفّض مراكزه، أي أنهم يدخلون عند قمة - ولو مؤقتة - ويخرجون في منتصف منحنى هابط.
وإذا كان هذا الأمر منطبقًا على مستثمر طويل الأمد مثل "بافيت"، فإنه يصبح أكثر وضوحًا مع من يستثمرون أموالهم لفترات أقصر، أو حتى مع المستثمرين المغامرين مثل "مايكل باري"، حيث تزداد أهمية نقطتي الدخول والخروج من السوق بشكل كبير، ويصبح الأمر محاولة صعبة لضبط توقيت السوق، وهو أمر نادر التحقق.
فمستثمر مثل "كارل إيكان" حقق نجاحات كبيرة للغاية في سوق الأسهم، وصلت إلى تحقيقه متوسط أرباح سنوية بلغ 31% لسنوات طويلة، إلا أن ذلك اقترن باستراتيجيات عالية المخاطر، تضمنت محاولات إعادة هيكلة بعض الشركات أو تغيير منهج إدارتها بالكامل.

خسارة لـ"المُقلدين"
وعلى سبيل المثال، فإن "إيكان" نفسه خسر قرابة 9 مليارات دولار من رهانه على انخفاض سوق الأسهم الأمريكية بين عامي 2017 و2023، لذا فإن أي مستثمر ظِلّ اقتدى به في هذا الخيار تكبّد خسائر كبيرة.
وفي هذا الإطار، قدّم "إيكان" اعتذاره، معتبرًا أنه ارتكب خطأ لطالما حذّر هو منه المستثمرين، وهو "عدم الرهان ضد الفيدرالي"، ويقصد بذلك عدم اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد بناءً على تقديرات مستقبلية لسعر الفائدة أو مستوى السيولة في الأسواق، بل جعلها مجرد عامل من بين عدة عوامل، وليست المؤشر الحاكم الوحيد، نظرًا لعدم القدرة على التحكم فيها.
ويأتي اعتذار "إيكان" كونه أحد المستثمرين الذين لطالما قدّموا نصائحهم لصغار المستثمرين، وعلى الرغم من أن غالبيتها قد تكون مفيدة وصائبة، فإن اتباع خطاه في مسألة الرهان على انخفاض السوق قد يكلّف المستثمر خسارة كامل ثروته، في حين يستطيع "إيكان"، بما يملكه من أصول، إعادة البناء والتعويض.
ويُلاحظ هنا أن كبار المستثمرين، الذين يقلّدهم البعض، كثيرًا ما يبنون قراراتهم الاستثمارية اعتمادًا على امتلاك أصول أخرى غير الأسهم، وبالتالي تكون الأسهم جزءًا من محفظة استثمارية أكبر تشمل استثمارات مباشرة وعقارات وسندات، ولذا يبدو اختزال قرارات المستثمر الكبير في سوق الأسهم فقط قاصرًا عن تحقيق التوازن الاستثماري المطلوب.
كما يُلاحظ أن العديد من شركات التداول ومكاتب السمسرة بدأت في تقديم خدمات إنشاء محافظ استثمارية مشابهة أو مطابقة لمحافظ كبار المستثمرين، وهي وسيلة يعتمدها أيضًا كثير من الوسطاء في السوق، إلا أنها لا تخلو من السلبيات التي يعانيها أي مستثمر مقلّد، وإن كانت أقل تأثرًا بمشكلة التوقيت في بعض الحالات، خاصة إذا حصلت الشركات على المعلومات بسرعة أكبر نسبيًا من المتداول الفردي.

ومن بين أكثر الحالات اللافتة التي تضرر فيها المستثمرون المقلدون نتيجة اتباعهم للآخرين، كانت حالة المستثمر الشهير "بيل ميلر"، الذي حقق أرباحًا سنوية بمتوسط 16.5% خلال الفترة بين 1991 و2005، ما دفع العديد من شركات السمسرة إلى اعتباره أداة تسويقية لاستراتيجياتها في التداول، وتبعه مئات المستثمرين الأفراد.
غير أنه مع الأزمة المالية العالمية، انهارت استثمارات "ميلر" بنسبة 55%، في حين تراجع السوق بنسبة 37% فقط، وذلك بسبب تركيزه الكبير على القطاع المالي، الذي كان الأكثر تضررًا خلال الأزمة.
وعلى الرغم من نجاح "ميلر" اللافت في السابق، فإن ذلك لم يُجنّبه السقوط الحاد مع الأزمة المالية العالمية، ليتضرر كل من قرر السير على نهجه و"استنساخ" محفظته الاستثمارية.
وباستعراض تجارب "ميلر" و"إيكان" و"بافيت"، يتضح أن على المتداول أن يستلهم "أسلوب" المستثمر الناجح -مثل التركيز على أسهم النمو المتوسطة التي توزع أرباحًا، أو تجنب الأسهم شديدة التقلب، أو تبني استراتيجيات إدارة مخاطر واضحة- لا أن يقلد المستثمر الكبير في كل خطوة من خطواته، لأن ذلك قد لا يحقق للمتداول ما يصبو إليه من أرباح ونمو، بعكس ما قد يتصور.
المصادر: أرقام- وول ستريت جورنال- فاينانشيال تايمز- ياهو فاينانس- ايكونوميست- إنفستوبيديا
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
