بثبات درامى أعاد المشجع الكونغولى كوكا مبولادينجا إحياء ذكريات بلاده مع النضال ضد الاستعمار بقيادة باتريس لومومبا ، ففي قلب مدرجات المغرب، وبينما اختار «المشجع التمثال» كما لقبته وسائل الإعلام العالمية تشجيع منتخب الكونغو الديمقراطية ضمن منافسات بطولة الأمم الأفريقية بالوقوف صامتاً طيلة المباريات.
كثرت التساؤلات عن السر وراء الهيئة التي ظهر بها «المشجع التمثال» وتزايدت. ومع وداع منتخب الكونغو للبطولة أمام الجزائر في مواجهات دور الـ16 الإقصائية بهدف عادل بولبينة في الدقيقة 119 من عمر المباراة.. انتهت رحلة الكونغو الديمقراطية في ملاعب المغرب ، غير أن حكايات كوكا مبولادينجا لم تنتهي بعدما أحيا بطريقته الفريدة في التشجيع قصة المناضل الكونغولي باتريس لومومبا ، الذى اختار فى أوقات المحنة مصر لتكون مستقراً لزوجته وأبناءه في ستينيات القرن الماضى قبل أن يدفع حياته ثمناً لكفاحه ضد الاستعمار بنهاية مأساوية.
باتريس لومومبا .. نضال يقود لرئاسة الوزراء وينتهى بـ الإقامة الجبرية
في خمسينيات القرن الماضي، خاص باتريس لومومبا حركة المقاومة ضد الاستعمار البلجيكى، وفى أكتوبر عام 1958 أسس الحركة الوطنية الكونغولية كأول حزب سياسي علي مستوي البلاد، ليقع رهن الاعتقال لعدة أشهر من قبل سلطات الاحتلال بتهم التحريض علي العنف.

باتريك لومومبا فى الآسر
وفي أول انتخابات تعرفها البلاد، حقق حزب لومومبا فوزاً مدوياً، وتم تكليفه بتشكيل الحكومة فى 24 يونيو 1960.
أصبح لومومبا رئيسا للوزراء وهو لا يزال في الرابعة والثلاثين من العمر، حيث انتخب في الأيام الأخيرة من الحكم الاستعماري، وترأس حكومة البلاد التي كانت قد نالت الاستقلال لتوها.
في يونيو عام 1960، وفي مراسم تسليم السلطة، أشاد بودوان ملك بلجيكا بالإدارة الاستعمارية، وقال إن سلفه الملك ليوبولد الثاني هو من أدخل الحضارة والمدنية إلى البلاد، دون ذكر للملايين الذين لقوا حتفهم أو تعرضوا للتعذيب في عهده.

بعد أشهر قليلة من اعتقاله تم اعدام لومومبا بمشهد درامى
وفى تلك المراسم، لم يكن لومومبا بنفس القدر من التحفظ، ففي خطابه الذي لم يكن مدرجا على البرنامج الرسمي، تحدث رئيس الوزراء عن العنف والإذلال الذي عانى منه الكونغوليون بعبارات تخللها تصفيق حار من الحضور.
لم يستمر لومومبا طويلاً في السلطة، وأرغم علي ترك منصبه فى 5 ديسمبر، حيث تم وضعه قيد الإقامة الجبرية، تحت أنظار مصر، التي كانت من رعاة مسيرة الكفاح في الكونغو وسائر الدول الأفريقية التي ناضلت شعوبها للخلاص من قوي الاستعمار.

حشود المصريين يرفعون صور لومومبا
وبحسب ما نشرته بي بي سي، وصف الأكاديمي لودو دي فيته الذي ألف كتابا تضمن سردا غير مسبوق لتفاصيل اغتيال الزعيم الأفريقي، إن البلجيكين أصيبوا بالذهول من خطاب لومومبا، فلم يكن أي شخص أفريقي حتي ذلك الحين قد امتلك الجرأة علي الحديث بهذه الطريقة أمام الأوروبيين، واعتبر أن خطاب لومومبا كان بمثابة توقيع علي حكم إعدامه.
عبد الناصر أجدر بحماية الأبناء.. بماذا نصح رئيس غينيا لومومبا ؟
في أروقة الأمم المتحدة، كانت بعثة مصر الأممية داعماً رئيسياً لنضال الكونغو وباتريس لومومبا ضد الاستعمار البلجيكي، وعن دور القاهرة والزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تحدث رولان لومومبا نجل المناضل الكونغولي في حوار سابق لقناة روسيا اليوم قائلاً: «شعر والدي أنه في خطر ونصحه المقربون بمغادرة البلاد ، إلا أنه لم يتقبل الفكرة واكتفي بأن يخطط لمغادرة اخوتي ووالدتنا للبلاد.. ليفكر بادئ الأمر في الرحيل إلى غينيا ، في ضيافة الرئيس أحمد سيكو توري ، قبل أن ينصحه الأخير بالذهاب إلى مصر».

أطفال لومومبا برفقة أبناء الزعيم جمال عبدالناصر
وأضاف رولان لومومبا: «قال سيكو توري لوالدي، أنا مثلك في دائرة الخطر، وبلدي غير مستقر»، ونصح والدي بالذهاب إلى مصر في حماية الزعيم جمال عبد الناصر قائلاً: «هو صديقنا وله نفس الفكر التقدمي وعنده استقرار في بلده»
وتابع: «والدي وجمال عبد الناصر لم يلتقيا ابدأ.. لكن أسرتنا لاقت في مصر كل الحب والرعاية والحماية.. في نهاية المسار وافق لومومبا أن يتكفل واحد لا يعرفه بأسرته فقط لأن لهم نفس الفكر ضد الاستعمار وقرر أن تذهب له زوجته وأولاده».
مهمة مصرية ـ سورية بقيادة سعد الدين الشاذلي لإجلاء أسرة لومومبا
مع احتدام الصراع بين قوي التحرر الوطني والاستعمار في الكونغو ، كان سعد الدين الشاذلي حينها برتبة عقيد ، وتولي قيادة كتيبة مصرية ـ سورية مشتركة لتدخل أراض الكونغو الديمقراطية تحت مظلة أممية بناء علي طلب من باتريس لومومبا.
تولى سعد الدين الشاذلي نقل أبناء لومومبا سرًّا داخل سيارة إلى أحد المباني التابعة لمصر في الكونغو، وبعد ذلك أصدر تعليماته بمغادرتهم عبر المطار، لينتقلوا بين عدة دول حتى وصلوا إلى مصر.
كان الأبناء الذين وصلوا ثلاثة هم: فرانسوا وباتريس وجوليانا، بينما بقيت والدتهم مع طفل رضيع (هو الابن رولان) لم يتجاوز عامه الثاني في الكونغو، ثم لحقا بهم في مصر بعد سنوات.
— K.Diallo ☭ (@nyeusi_waasi) https://twitter.com/nyeusi_waasi/status/1747584617706594624?ref_src=twsrc%5Etfwوفى مذكراته، يروي السفير مراد غالب الذي كان ممثلاً لمصر داخل الكونغو في ذلك الحين تفاصيل اجلاء زوجة وأبناء لومومبا ، قائلاً: "استطاع لومومبا أن يفلت من طوق الحصار المفروض من حوله، ويهرب في منزل بوسط العاصمة ليوبولدفيل، وبعث إلىِّ برسالة تعرفنى بمكانه، ووصلت إلى مخبئه، ووجدت حالته سيئة للغاية، وكانت عيناه زائغتين، كتبت برقية إلى عبد الناصر، أبلغته فيها أن لومومبا على قيد الحياة عكس الأنباء التي تداولت حينها بمقتله، وأنه يرغب في نقل زوجته وأولاده إلى مصر، وأنه أصبح المصدر الوحيد لأخباره".
وأشرف فريق مصري علي خطة تهريب أبناء لومومبا، حيث تم تغيير جواز سفر مستشار في السفارة المصرية يدعى عبد العزيز إسحق، ووثق أنه متزوجاً من امرأة كونغولية وبصدد السفر برفقة زوجته والأبناء لقضاء أجازة في لشبونة لتنجح بذلك خطة تهريب أسرة لومومبا .
في ضيافة الزعيم .. كيف تربي أبناء لومومبا ؟
ويروي الكاتب الراحل الكبير، الأستاذ محمد حسنين هيكل في كتاب سنوات الغليان أن زوجة لوموميا كتبت خطابا إلى عبد الناصر، قالت فيه: "إننى امرأة لم تتعلم لأن الاستعماريين البلجيكيين حرمونا من فرصة الحصول عليه، لكنى مع إدراكى البسيط أفهم مثل كل امرأة وطنية في إفريقيا، أنكم أوفى الأصدقاء لشعوبنا، إننى بلسان امرأة- والمرأة هي موضع أسرار الرجل- أؤكد لكم أننا عرفنا الآن أصدقاءنا الحقيقيين، والله معك".

زوجة لومومبا وأطفاله فى ضيافة الزعيم جمال عبد الناصر
يقول الأبن رولان في حواره السابق لقناة روسيا اليوم عن عبد الناصر: «أعطانا بيت في أرقى أحياء القاهرة وكل أسبوع كنا نكون مع أولاده عبد الحكيم وعبد الحميد وخالد وهدى ومنى. كان حريصا أن نتعلم اللغة العربية وأيضا أن نتمسك بالهوية الكونغولية».
وأشار إلى أنه بعد الانتهاء من الثانوية العامة غادر هو واثنين من إخوته للدراسة بالخارج، بينما يقي أخيه باتريس في مصر لنحو 40 عاما قبل أن يتوفى.
إعدام بلا جثة .. كيف مثل البلجيكيون بجثمان لومومبا
مضت أيام الأم والأبناء مستقرة في ضيافة الزعيم جمال عبدالناصر، أما في الكونغو، فكان الصراع يحتدم يوماً تلو الآخر. وفي 17 يناير 1961، نُقل باتريس لومومبا ورفيقاه جوزيف أوكيتو وموريس مبولو، جوًا إلى مدينة لوبومباشي في الكونغو، وهناك سُلموا إلى النظام الانفصالي في كاتانجا ومستشاريه البلجيكيين.
وتروي هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي تفاصيل آخر أيام لومومبا ، قائلة : في وقت لاحق من ذلك اليوم، أُعدم لومومبا وأوكيتو ومبولو رميًا بالرصاص تحت قيادة بلجيكية، ورغم أن جثثهم دُفنت في البداية في قبور ضحلة، ثم استُخرج من الأرض ونقل مسافة 200 كم، ثم دفن ثانية، ثم تم استخراجه مرة أخرى وقُطع إربا إربا، وأخيرا ذُوب في مادة حمضية.

بعد أشهر قليلة من اعتقاله تم اعدام لومومبا بمشهد درامى
وأشرف مأمور الشرطة البلجيكي جيرار سوتي علي عملية التخلص من رفات لومومبا ، واعترف لاحقاً بحسب بي بي سي بأنه أخذ أحد أسنانه ، وأجزاء من جثمانه.
وفي برنامج وثائقي عرض عام 1999، وصف سوتي الأجزاء التي أخذها من جثمان لومومبا بأنها «نوع من أنواع غنيمة الصيد».
— Egypt News (@EgyptNews_fr) https://twitter.com/EgyptNews_fr/status/2009245783418081484?ref_src=twsrc%5Etfwحسب الشهادة التي استشهد بها دي فيته في كتابه "اغتيال لومومبا The Assassination of Lumumba تزعم سويتي فريقا مسلحا بالمناشير وحمض الكبريتيك وكمامات الوجه بهدف نقل رفات لموموبا وتدميرها والتخلص منها تماما. وصف سويتي هذه العملية لاحقا بأنها كانت أشبه بالغوص "إلى أعماق الجحيم لكنه لم يعترف سوى بعد ذلك بأربعين عاما، في عام 1999، بضلوعه في هذه الجريمة وبأنه لا يزال في حوزته أحد أسنان لومومبا. وقال إنه تخلص من الأجزاء الأخرى التي أخذها من الجثة.
الإسكندرية تعرف أمجاده
غاب الجسد، إلا أن الكونغو نالت لاحقاً الاستقلال وأشرقت علي ترابها شمس الحرية.. غاب الجسد ليعود بعد عقود من الزمن المشجع الكونغولى كوكا مبولادينجا ليحيى الذكرى والمسيرة ويعيد تاريخ نضال بلاده والقارة السمراء ضد قوي الاستعمار للأضواء .

مشجع الكونغو
وأثار مشهد سقوط مبولادينجا بعد إقصاء بلاده من دور الـ16 في بطولة الأمم الأفريقية ردود فعل واسعة بعد سخرية لاعب منتخب الجزائر عادل بولبينة منه ، ليتقدم الأخير باعتذار لاحق علي حساباته الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي.
واعقب الاعتذار موجة من المنشورات علي مواقع التواصل الاجتماعي للتذكير بـ باتريس لومومبا ، وتداول كثيرون صور الشارع الذي يحمل اسمه في محافظة الإسكندرية ، فضلاً عن تداول مقاطع فيديو لأبناءه برفقة أبناء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وغيرها الكثير.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
