لم يعد السعي إلى الجنسية المزدوجة مجرّد رغبة في تسهيل السفر أو الهروب من طوابير المطارات، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى خيار اقتصادي واستثماري بامتياز، تلجأ إليه شرائح متزايدة من الأفراد، من أصحاب الثروات إلى الطبقة المتوسطة، في عالم يتسم بتقلبات سياسية وضغوط ضريبية وتشديد متزايد على حركة رأس المال والأفراد.
حصول النجم العالمي جورج كلوني وعائلته على الجنسية الفرنسية في نهاية عام 2025 ليس سوى مثال رمزي على اتجاه أوسع، يعكس كيف أصبحت الجنسية الثانية أداة لإدارة المخاطر الاقتصادية طويلة الأجل، وليست مجرد امتياز اجتماعي.
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع معدلات التضخم، وتشديد السياسات الضريبية في الاقتصادات الكبرى، باتت الجنسية المزدوجة تُعامل من قبل كثيرين كنوع من «بوليصة تأمين اقتصادية». فامتلاك أكثر من جواز سفر يمنح الأفراد مرونة أكبر في اختيار مكان الإقامة والعمل والاستثمار، ويخفف من الاعتماد على اقتصاد واحد أو نظام ضريبي واحد.
هذا التحول يفسر الزيادة اللافتة في الطلب على الجنسيات الثانية من مواطني دول متقدمة، لا من دول نامية فقط، وهو ما يمثل انعكاساً واضحاً لما قبل جائحة كورونا، حين كان الطلب مدفوعاً أساساً بعدم الاستقرار في الأسواق الناشئة.
الأمريكيون والبريطانيون في الصدارة
بحسب دومينيك فولِك، رئيس قسم العملاء الخاصين في شركة «هنلي آند بارتنارز»، التي تساعد الأفراد على الحصول على جنسيات ثانية، شهد عام 2025 طلبات من عملاء ينتمون إلى 91 جنسية مختلفة، وكان الأمريكيون في الصدارة. ويشير فولِك إلى أن الأمريكيين باتوا يشكلون 30% من أعمال الشركة.
والدوافع هنا ليست فقط سياسية، بل اقتصادية أيضاً. فخلال الجائحة، أدرك كثير من الأثرياء الأمريكيين أن جواز السفر الأمريكي لا يضمن دائماً حرية الحركة أو الوصول السلس إلى الأسواق العالمية كما كان يُعتقد.
كما أظهر استطلاع أجرته «غالوب» في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن واحداً من كل خمسة أمريكيين يرغب في الهجرة، مع قفزة لافتة بين النساء في الفئة العمرية 15–44 عاماً. كما أن النظام الضريبي الأمريكي، الذي يفرض الضرائب على المواطنين بغض النظر عن مكان إقامتهم، جعل بعضهم يبحث عن بدائل قانونية تسمح لهم بإدارة ثرواتهم وتنقلهم الدولي بمرونة أكبر.
الأمر ذاته ينطبق على البريطانيين، حيث أدى الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) إلى فقدان حرية التنقل والعمل داخل السوق الأوروبية الموحدة، ما دفع شريحة من المستثمرين وأصحاب الدخول المرتفعة إلى البحث عن جنسية أوروبية بديلة تعيد لهم هذه المزايا الاقتصادية.
انتشار متزايد
لا توجد أرقام دقيقة حول عدد حاملي الجنسيات المزدوجة عالمياً، كما يوضح بيتر سبيرو، أستاذ القانون في جامعة «تمبل»، نظراً لأن معظم الدول لا تُلزم مواطنيها بالإفصاح عن تعدد الجنسيات. لكن المؤشرات المتاحة تؤكد اتجاهاً تصاعدياً واضحاً. وفي المملكة المتحدة، أظهر تعداد عام 2021 أن 2.1% من سكان إنجلترا وويلز يحملون أكثر من جواز سفر، مقارنة ب1.1% فقط في تعداد 2011. وفي الولايات المتحدة، أفاد استطلاع أجرته «يوغوف» بأن نحو 6% من الأمريكيين يعرّفون أنفسهم كمواطنين مزدوجي الجنسية.
من الناحية الاقتصادية، تمنح الجنسية الثانية وصولاً أوسع إلى أسواق العمل الدولية دون الحاجة إلى تصاريح معقدة، إضافة إلى فرص تعليمية أقل كلفة أو مدعومة في بعض الدول، ما يقلل العبء المالي على العائلات، ناهيك عن تسهيلات في تأسيس الشركات وامتلاك الأصول، خصوصاً في الدول التي تفرض قيوداً على الأجانب، وقدرة أكبر على تنويع الاستثمارات جغرافياً وتقليل المخاطر المرتبطة بدولة واحدة. ولهذا، ينظر كثير من المستثمرين إلى الجنسية المزدوجة كجزء من استراتيجية إدارة الثروة، وليس قراراً شخصياً فقط.
* طرق الحصول على جنسية ثانية: هناك ثلاث طرق رئيسية:
1-الجنسية بالنَسَب: عبر إثبات الانحدار من أجداد يحملون جنسية معينة، مع اختلاف القوانين من دولة لأخرى.
2-التجنّس بالإقامة: بعد الإقامة القانونية لعدد من السنوات، غالباً بين 5 و10 سنوات، مع استيفاء شروط اللغة والسجل الجنائي والمعرفة المدنية.
3-الجنسية عبر الاستثمار: من خلال ضخ استثمارات مالية في دولة ما، وهي برامج عُرفت باسم جوازات السفر الذهبية. لكن هذه المسارات لم تعد سهلة كما في السابق.
تضييق أوروبي
بدأت دول أوروبية عدة تشديد قوانين الجنسية، سواء عبر النَسَب أو الاستثمار. وهذا التشدد لا ينبع فقط من اعتبارات سياسية، بل أيضاً من ضغوط اقتصادية داخلية.
إسبانيا، على سبيل المثال، أنهت برامج «التأشيرة الذهبية» بسبب تأثيرها في أسعار العقارات والإسكان. ودول أخرى رأت أن تحويل الجنسية إلى سلعة استثمارية أضعف الثقة العامة وأثار مخاوف من غسل الأموال والتهرب الضريبي. كما أن بعض الحكومات باتت تنظر إلى مواطنيها في الخارج من زاوية مالية، كما في النقاش الدائر في إيطاليا حول فرض رسوم صحية سنوية على المواطنين المقيمين خارج البلاد، في محاولة لتخفيف الأعباء عن الموازنات العامة.
الضرائب.. الجانب الأقل جاذبية
رغم المزايا، تحمل الجنسية المزدوجة أعباء اقتصادية محتملة. فالولايات المتحدة، إلى جانب عدد محدود من الدول، تفرض ضرائب على أساس الجنسية لا الإقامة، ما يعني أن المواطن المزدوج قد يواجه التزامات ضريبية معقدة ومكلفة. كما أن بعض الدول تفرض التزامات مالية أو عسكرية قد تتحول إلى عبء اقتصادي، خصوصاً في أوقات الأزمات أو النزاعات.
* من «الجواز الذهبي» إلى «الاستحقاق الاقتصادي»
مع تراجع برامج الجنسية عبر الاستثمار في أوروبا، بدأت دول أخرى، خاصة صغيرة أو نامية، بابتكار نماذج جديدة تربط الجنسية بدعم قطاعات استراتيجية، مثل المناخ أو التكنولوجيا أو إعادة الإعمار الاقتصادي.
وهذه الدول ترى في الجنسية أداة لجذب رؤوس الأموال، وتعويض محدودية مواردها الطبيعية أو البشرية، في مقابل منح المستثمرين حرية تنقل أوسع وجواز سفر أكثر قوة.
هل الجنسية المزدوجة استثمار رابح؟
اقتصادياً، يرى الخبراء أن قيمة الجنسية الثانية ليست ثابتة، بل تتغير تبعاً للسياسات الدولية وقوة الدولة المانحة. ما يمنح اليوم امتيازات كبيرة قد يفقد جزءاً من قيمته غداً.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
