لم تكن دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لميزانية دفاعية قدرها 1.5 تريليون دولار قراراً نابعاً من سبب واحد، ولا هي تصعيد عفوي، بل تعكس تضافراً بين الطموح الاستراتيجي والحسابات السياسية الداخلية والاحتياجات الصناعية.
وبعيداً عن كونها مجرد إجراء مالي، فإن هذا المقترح يشير إلى تحول هيكلي في كيفية فهم الولايات المتحدة للحرب، ودورها في نظام دولي يتزعزع استقراره بسرعة. وفي جوهرها، تُقر هذه الدعوة بحقيقة أساسية، وهي أن هيكل القوات الأميركية الحالي، حتى مع ميزانية سنوية قدرها تريليون دولار، لم يعد متوافقاً مع الحروب التي تستعد لها واشنطن.
طموح إستراتيجي
لا يمكن تمويل الأهداف العسكرية ضمن مستويات الإنفاق الحالية للبنتاغون. ولم تعد الفجوة بين الطموح والقدرة هامشية؛ بل أصبحت فجوة هيكلية.
إن أبرز دليل على هذا التباين هو مبادرة «القبة الذهبية». فبدلاً من أن تكون مجرد تطوير تقليدي للدفاع الصاروخي، فإنها تُصمَّم كبنية اعتراضية متعددة الطبقة على مستوى القارة، لحماية الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين من الصواريخ البالستية وصواريخ كروز والمركبات الانزلاقية الفرط صوتية وأسراب الطائرات المسيّرة الضخمة. وهي تدمج أقمار الإنذار المبكر وأجهزة استشعار فضائية وأنظمة قيادة وتحكم مدعومة بالذكاء الاصطناعي وصواريخ اعتراضية أرضية وبحرية، مع تجديد مستمر لمخزون الصواريخ الاعتراضية.
لا يُبنى مثل هذا النظام مرة واحدة ويُصان بتكلفة زهيدة، بل يتطلب إنتاجاً صناعياً دائماً. اذ يجب إنتاج الصواريخ الإعتراضية باستمرار، وتحديث أجهزة الاستشعار، واستبدال الأصول الفضائية عند تدهورها أو تعرضها للهجوم. في الواقع، وتالياً فإن القبة الذهبية تُحوّل الدفاع الصاروخي من مجرد وضع دفاعي إلى التزام صناعي دائم.
وتشير الطموحات البحرية إلى الاتجاه نفسه. فالدعوة لتصميم سفن حربية جديدة وتوسيع الأسطول تصطدم مباشرة بواقع بناء السفن الأميركية، الذي يتسم بالبطء والتشتت وارتفاع التكاليف، ويعاني أصلاً ضغطاً كبيراً. إن استعادة القوة البحرية لا تتم عبر مخصصات تدريجية، بل تتطلب استثمارات ضخمة مُسبقاً، وتوسيعاً للقوى العاملة، وضمانات طويلة الأجل للصناعة. ومن دون زيادة جذرية في التمويل، يبقى تجديد الأسطول مجرد كلام.
وينطبق الأمر نفسه على الذخائر. فقد أظهرت الحروب في أوكرانيا وغزة والبحر الأحمر وإيران مدى سرعة استنزاف الأسلحة الموجهة بدقة، وطائرات الاعتراض الدفاعية الجوية، والصواريخ في النزاعات الحديثة. وتُستنزف المخزونات المصممة للنزاعات القصيرة غير المتكافئة في غضون أسابيع تحت وطأة النيران المتواصلة. ويُقر الاقتراح ضمنياً بأن الجيش الأميركي، بهيكله الحالي، غير قادر على خوض حروب طويلة الأمد عالية الكثافة.
ويشير اقتراح الميزانية إلى تحول من الدفاع كرادع إلى الدفاع كتعبئة صناعية.
إن اللغة المتعلقة بـ«الجيش – الحلم» تكشف الكثير. فهي ليست لغة التخطيط الدفاعي القائم على القواعد. تسريع وإخضاع التكاليف للإنتاج، وضبط الصناعة لخدمة أهداف الدولة. هذا المنطق، بلا شك، منطق حرب، حتى في غياب حرب معلنة.
كما أن للسياسة الداخلية تأثيراً على هذا المقترح. تواجه الإدارة الأميركية قيداً هيكلياً واجهته الإدارات السابقة لكنها لم تتمكن من حله. يقاوم الجمهوريون الإنفاق الاجتماعي، ويقاوم الديمقراطيون خفض الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم والمساعدات الخارجية. أما الإنفاق على البنية التحتية فهو مُعقد وبطيء. وتؤدي التخفيضات الضريبية إلى تفاقم العجز دون توفير غطاء سياسي فوري.
في المقابل، يبقى الإنفاق الدفاعي بمنأى عن هذه القيود. يتسم هذا التوجه بالجمود الحزبي، ويمكن تصويره كضرورة وجودية، يؤمن فرص عمل في دول ذات أهمية إستراتيجية، ويمكن تعزيزه من خلال المصالحة بأقل قدر من التبعات السياسية. عملياً، أصبح الإنفاق الدفاعي الفئة الوحيدة القادرة على إستيعاب طموحات تريليونية الدولارات دون شلل مؤسسي فوري.
لا يُعقل حجم الزيادة المقترحة إلا إذا كانت الإدارة تستعد لضغوط متزامنة على جبهات عدة. لا تُظهر ديناميكيات الحرب الروسية أي بوادر حل. وما زالت الصين تشكل التحدي الأكبر في المحيط الهادئ. وتواصل إيران تطوير صواريخ وطائرات مسيرة تتجاوز قدرة أنظمة الإعتراض الحالية. لم يعد الفضاء والفضاء السيبراني مجالين ثانويين، بل أصبحا أساسيين.
وتُعدّ دعوات المشرعين الجمهوريين لرفع الإنفاق الدفاعي إلى أربعة أو حتى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً مهماً. فهذا المستوى من الالتزام يُذكّر بفترة الحرب الباردة هو أن على الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها في كل مكان وزمان، بدلاً من الردع الانتقائي.
الحرب على إيران… واعتراض الصواريخ
كشفت الحرب الأخيرة التي خاضتها إيران عن نقطة ضعف جوهرية في هذا المنطق. فعلى الرغم من شبكة الاعتراض الإسرائيلية المتطورة ونشر بطاريات نظام ثاد الأميركي، إلا أن تشبع الصواريخ كشف عن ثغرات لم يكن بالإمكان سدها بالكامل. استُهلكت صواريخ الاعتراض بسرعة واخترقت بعض القذائف دفاعات العدو، بينما أجبرت أخرى على تحديد أولويات دفاعية بدلاً من التغطية الشاملة.
كان لهذه التجربة أثر بالغ على التفكير الإستراتيجي الأميركي. لم يعد يُنظر إلى الدفاع الصاروخي على أنه درع يضمن الحرمان، بل هو نظام يكسب الوقت بتكلفة باهظة. كل صاروخ يتم اعتراضه يمثل مقايضة صناعية. في مواجهة خصم مصمم قادر على إطلاق صواريخ متواصلة، يصبح الدفاع صراع استنزاف يُفضل فيه الحجم والقدرة الإنتاجية على حساب البراعة التكنولوجية وحدها. بالمعنى نفسه، لا يتعلق نظام القبة الذهبية بالكمال بقدر ما يتعلق بالصمود. يُعدّ هذا اعترافاً بأنّ الحروب المستقبلية لن تُحسم باختراقات فردية، بل بالقدرة على الاستيعاب والتجديد والاستمرار في العمل تحت ضغط متواصل.
بيع الأسلحة الأميركية
تنظر الإدارة الأميركية أيضاً إلى الإنفاق الدفاعي كأداة للهيمنة التصديرية. فمن خلال توسيع الأنظمة الأميركية، مثل الدفاع الصاروخي والمنصات البحرية والأسلحة الدقيقة، تُنشئ واشنطن تبعية بين الحلفاء الذين لا يستطيعون محاكاة هذه القدرات في شكل مستقل. ويصبح قيام حال من عدم اليقين المُدار إستراتيجية تسويقية.
إذا خشي الحلفاء من تشبّع الصواريخ، فإنهم يشترون صواريخ اعتراضية. وإذا توجسوا من أسراب الطائرات المسيّرة، فإنهم يشترون أجهزة استشعار. وإذا خشوا من ضعف البحرية، فإنهم يشترون المنصات الأميركية. من هنا يربط نهج الإدارة الأميركية التوسع العسكري بالقوة التجارية، محوّلاً القلق الاستراتيجي إلى طلب في السوق.
على الرغم من طموحه، ما زال المقترح غير محسوم مالياً. فالرسوم الجمركية لا تكفي لتمويله، ويحتفظ الكونغرس بسلطته الدستورية على الإنفاق. وللمصالحة حدود، وسيزداد الدين.
إن الثقة التي يُبديها دعاة الدفاع المتشددون تعكس نيات سياسية أكثر من كونها دليلاً على وضوح الميزانية. عملياً، من غير المرجح أن يتحقق مبلغ 1.5 تريليون دولار بالكامل سريعاً. قد يكون الإعلان نفسه بمثابة إشارة، تُرسّخ المفاوضات عند مستوى أعلى. والأرجح هو زيادة تدريجية على مدى سنوات عدة، تُبررها التهديدات المتصاعدة والالتزامات الصناعية.
يُمكن فهم المقترح الدفاعي البالغ 1.5 تريليون دولار على أنه اعتراف بأن الطموحات العسكرية الأميركية قد تجاوزت القاعدة الصناعية الحالية. يمثل هذا تحولاً نحو حالة تأهب دائمة عالية الكثافة، وخياراً سياسياً داخلياً لتوسيع النفوذ حيث تكون المقاومة أضعف، وأسلوب قيادة يسعى للهيمنة على الحلفاء والقطاعات الصناعية على حد سواء.
لا يتعلق الأمر بحرب فورية بقدر ما يتعلق بإعادة هيكلة الدولة الأميركية حول عسكرة مستدامة مع تأجيل السؤال الأصعب على الإطلاق: من سيدفع في نهاية المطاف ثمن وضع عسكري مصمم لا لإنهاء الحروب، بل لتحملها إلى أجل غير مسمى؟
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بوابة المصريين في الكويت ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بوابة المصريين في الكويت ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
