لم تكن شمس يوم الإثنين في واشنطن كسابقتها؛ فبينما كانت الأسواق المالية تتأهب لافتتاح روتيني ترقبًا للتطورات المتعلقة بفنزويلا، تخلى "جيروم باول" عن عباءة الاقتصادي الحذر، ليظهر كقائد عسكري يدافع عن آخر حصون استقلالية البنك المركزي، حيث لم تعد المواجهة تنحسر في الخلاف على تحريك الفائدة ربع أو نصف نقطة مئوية، بل تحولت إلى تحقيق جنائي مباشر يضع الفيدرالي في مهب طموحات البيت الأبيض. من الثناء إلى العداء في مفارقة دراماتيكية تختزل تقلبات المشهد السياسي في واشنطن، تحولت علاقة الرئيس بـ "باول" من الإشادة المطلقة إلى العداء العلني؛ فالرجل الذي اختاره "ترامب" بنفسه عام 2017 لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي واصفاً إياه بـ "القوي والذكي والملتزم" ، بات اليوم في مرمى نيران اتهاماته. هذا التحول الجذري يعكس بوضوح كيف تتبدل الرؤى، فور اصطدام استقلال المؤسسة النقدية مع الرغبات السياسية للبيت الأبيض؛ وأصبح "ترامب" يرى أن إعادة تعيين "باول" من قبل سلفه "بايدن" كانت خطأً فادحاً . ورغم خفض "باول" للفائدة تدريجيًا – ثلاث مرات كل مرة منها بمقدار 25 نقطة أساس -خلال النصف الثاني من العام الماضي، فإن "ترامب" يرجع دائمًا مسؤولية التضخم وأزمة غلاء المعيشة في الولايات المتحدة إلى سلفه "جو بايدن" وأسعار الفائدة المرتفعة. معركة استقلالية لا فاتورة بناء لم تكن جدران مقر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن هي الهدف الحقيقي، بل كانت الستار الذي تختفي خلفه واحدة من أعنف معارك الاستقلال النقدي في التاريخ الأمريكي، حين أعلن "باول" خضوعه لتحقيق جنائي، لم يره مجرد إجراء قانوني روتيني، بل وصفه بصراحة بأنه "أداة ترهيب سياسي"؛ فالتهمة المعلنة تتعلق بشهادته التي أدلى بها أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ خلال يونيو حول مشروع تجديد مقر البنك، لكن الجريمة الحقيقية في نظر البيت الأبيض كانت رفضه الانصياع لرغبات الرئيس وخفض الفائدة بما يخدم الأجندة السياسية لا المصلحة العامة. لأنه بعدما أبدى "ترامب" استياءه من عدم تحرك الفيدرالي بشكل أسرع لخفض الفائدة، بدأ البيت الأبيض التركيز على تجاوز المشروع للتكاليف المقدرة، وفي خطوة غير مألوفة، قام الرئيس بجولة تفقدية لمقر البنك، محولاً النقاش من "السياسة النقدية" إلى "فواتير البناء ومواعيد التسليم"، في محاولة للضغط على "باول" عبر ثغرات إدارية. لذلك، فإن التصعيد الأخير الذي يعتبر الأكثر جرأة حتى الآن، كسر جدار الصمت الذي تحصن خلفه "باول" طويلاً، فبعد اتباع استراتيجية اتسمت بالردود المتزنة التي تعتمد على الأدلة الاقتصادية، قرر أخيراً – في بيانه المصور - استخدام نبرة أكثر حدة تشير إلى التحدي متهمًا الإدارة الأمريكية باستخدام وزارة العدل لمعاقبة الاحتياطي الفيدرالي على عدم خفض الفائدة بالوتيرة المطلوبة. لكن اختار "ترامب" استراتيجية "الإنكار الممزوج بالهجوم"؛ فبينما نفى علمه بالتحقيق الجنائي في مقابلته مع "إن بي سي نيوز"، لم يفوت الفرصة للتشكيك في قدرات "باول"، واصفاً إياه بالفاشل في إدارة البنك وبناء المباني على حد سواء. ومع ذلك، فإن هذا النفي لا ينفصل عن سياق أوسع، حيث سبق أن لوّح "ترامب" بمقاضاة باول بتهمة "الإهمال الجسيم"، بالتوازي مع مساعي إدارته لعزل أعضاء آخرين في المجلس مثل "ليزا كوك"، مما يكشف عن خطة شاملة لإعادة صياغة هوية الفيدرالي بما يتماشى مع رؤية البيت الأبيض. ورغم التهديدات المستمرة وحتى التحقيق الجنائي فإن "باول" أصر على موقفه قائلاً: تقتضي الخدمة العامة أحيانًا الصمود في وجه التهديدات، سأواصل أداء المهمة التي صادق على ترشيحي مجلس الشيوخ من أجلها، بنزاهة والتزام بخدمة الشعب الأمريكي. رئيس جديد.. صدام من نوع آخر يتزامن ذلك التحقيق الجنائي مع قرب إعلان "ترامب" عن اسم مرشحه لخلافة "باول" - الذي تنتهي ولايته في مايو - مما سيمنح له الفرصة لإعادة هيكلة المؤسسة وفقًا لرؤيته الخاصة. تحتدم المنافسة على منصب رئيس الفيدرالي القادم بين "كيفن هاسيت" و"كيفن وارش" ومن المتوقع أن يلبي كل منهما رغبات "ترامب" إن لم تكن بشكل تام فبصورة أفضل من "باول"، وهو ما ذكره "ترامب" صراحة من قبل: أي شخص يخالفني الرأي لن يصبح رئيسًا للفيدرالي أبدًا. وأوضح "ترامب" المواصفات التي يرغب توافرها في رئيس الفيدرالي: يعطي الأولوية لنمو السوق، ويتجنب رفع الفائدة الذي يرى أنه ينهي انتعاش السوق، وأن يخفض الفائدة إذا كان أداء السوق جيدًا. لكن قد يواجه الرئيس عقبات، خاصة وأن تحقيق وزارة العدل مع "باول" أثار ردة فعل غاضبة سريعة من الكونجرس، إذ صرح السيناتور الجمهوري البارز " توم تيليس" بأنه لن يصادق على أي شخص يرشحه "ترامب" في مجلس الفيدرالي حتى البت في هذه القضية. ووصفته السيناتورة الديمقراطية "إليزابيث وارن" بالديكتاتور الذي يرغب في تعيين دمية لإتمام سيطرته الفاسدة على الفيدرالي لكي يخدم مصالحه ومصالح المليارديرات أصدقائه. بعد الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية والتي تعد الأكثر جرأة حتى الآن في الحملة ضد استقلالية البنك، لم يظهر "باول" مدافعًا عن نفسه أو عن منصبه الذي سيتركه بعد أشهر قليلة، لكنه يطرح قضية خطيرة.. هل سيواصل البنك اتخاذ قراراته بمعزل عن التوجهات السياسية أم يقضي نفوذ ترامب على حقبة استقلال البنك المركزي الأمريكي؟ المصادر: أرقام – تصريحات "ترامب" على منصة "تروث سوشيال" – وول ستريت جورنال - نيويورك تايمز