في فيلم "كنز السييرا مادري"، يقضي المغامرون شهورًا من الشقاء تحت شمس المكسيك الحارقة، ينبشون الأرض بحثًا عن الذهب، وعندما ظنوا أنهم حققوا الحلم أخيرًا، جاءت الرياح لتبعثر غبار الذهب وتعيده إلى الأرض، تاركة إياهم بجيوب فارغة أمام مفارقة درامية قاسية. اليوم، يعيد التاريخ إنتاج المشهد ذاته في كراكاس، لكن على مسرح السياسة العالمية، وببطولة "دونالد ترامب". دخل ترامب إلى "منجم" النفط الفنزويلي بعقلية المغامر الذي يسيطر على أكبر احتياطي نفطي في كوكب الأرض، معتقدًا أن مجرد السيطرة على الحقول كفيل بإغراق الأسواق بالذهب الأسود الرخيص. لكنه، تمامًا كأبطال الفيلم، اصطدم بالحقيقة التي أخفتها الحسابات السياسية: أن هذا "الذهب" ليس سوى خام فائق الثقل، ذي طبيعة "أسفلتية" وشوائب كبريتية مرتفعة، تتلف معدات التكرير قبل أن تملأ الخزانات. اكتشف "ترامب" في اجتماعه الأخير مع رؤساء شركات النفط أن استخراج هذا الكنز يحتاج إلى نحو 100 مليار دولار كـ"استثمار ضخم طويل الأمد" لإصلاح ما دمرته عقود من الإهمال وسوء الإدارة. وكانت الصدمة الأكبر أن المصافي القادرة على معالجة هذا الخام محدودة داخل الولايات المتحدة، بينما تتركز لدى خصمه الجيوسياسي الأبرز: الصين. وبينما كان ينتظر أول برميل يخفض به الأسعار، وجد نفسه أمام "وهم اقتصادي"؛ نفط لزوجته مرتفعة إلى حد يمنع تدفقه الطبيعي، وتكلفة إنتاجه باهظة إلى درجة تجعله غير مجدٍ تجاريًا في الوقت الراهن. وكما تلاشت ذرات الذهب في رمال "السييرا مادري"، تلاشت الطموحات النفطية السريعة لـ"ترامب" في فنزويلا، ليغادر الاجتماع باحثًا عن بدائل أخرى، تمامًا كالمقامر الذي خسر رهانه الأول وقرر إلقاء نرده الأخير فوق جليد "جرينلاند" أو لهيب "إيران". بيئة استثمارية - في البيت الأبيض، اجتمع "ترامب" مع أقطاب صناعة النفط العالمية، واضعاً أمامهم "خريطة الكنز" الفنزويلي، حيث تتربع البلاد على عرش أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم بنحو 303 مليار برميل، وبينما كان "ترامب" يتحدث بلغة "الصفقة" عن استثمارات ضخمة لخفض أسعار الطاقة العالمية، كان قادة الشركات مثل "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" يقرأون أرقاماً أخرى؛ أرقاماً تتحدث عن بنية تحتية متهالكة، ونفط "ثقيل" لدرجة اللزوجة، وبيئة قانونية وصفها البعض بأنها "غير قابلة للاستثمار". فجوة تمويلية - تشير التقديرات إلى أن الشركات المستقلة الصغيرة هي الوحيدة المستعدة للمغامرة بمبالغ زهيدة لا تتجاوز 50 مليون دولار حالياً، خاصة وأن إنتاج فنزويلا الحالي لا يمثل سوى 1% من الإمدادات العالمية، أي نحو 742 ألف برميل يومياً، وهو تراجع حاد بنسبة 70% مقارنة بمستويات عام 2013. جودة متدنية - تكمن المعضلة الكبرى في طبيعة الخام الفنزويلي؛ فهو من نوع الخام الثقيل جداً المستخرج من حزام "أورينوكو"، ويتميز هذا النفط بلزوجة عالية جداً تجعل استخراجه ونقله عملية مكلفة تقنياً، فهو يحتاج إلى "مخففات" كيميائية ليتمكن من الجريان عبر الأنابيب، كما أن هذا الخام يحتوى على نسبة عالية من الكبريت والشوائب ونسبة منخفضة من الهيدروجين، مما يجعله من أردأ الخامات التي لا تدر ربحاً سريعاً. تحديات المعالجة - يمثل استخراج النفط الفنزويلي بداية المتاعب؛ فالشوائب العالية فيه تؤدي إلى تآكل سريع للمعدات النفطية وتلفها، ما يرفع تكاليف الصيانة الدورية بشكل جنوني، كما أن تكلفة المعالجة الأولية لهذا الخام لجعله قابلاً للتكرير تضاف إلى تكلفة الاستخراج المرتفعة أصلاً، ما يرفع "سعر التعادل" للبرميل الفنزويلي إلى مستويات تتراوح بين 65 و80 دولاراً، وهو ما يناقض تماماً رغبة "ترامب" في خفض الأسعار. أزمة المصافي - تفتقر الولايات المتحدة حالياً إلى القدرة الكافية لمعالجة هذا النوع من النفط، بينما تمتلك الصين مصافي متخصصة تُعرف بمصافي "أباريق الشاي" (Teapots Refineries) القادرة على التعامل مع هذه الخامات، كما أن بناء مصافي جديدة في أمريكا يتطلب مليارات الدولارات وسنوات من الزمن، ما يضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما بناء بنية تحتية مكلفة جداً أو الاستمرار في شحن النفط الفنزويلي إلى الصين لمعالجته. بنية متهالكة - تعاني شبكة الأنابيب في فنزويلا، التي يبلغ طولها أكثر من 3380 كيلومتر، من تهالك شديد حيث يعود عمر معظمها إلى أكثر من 50 عاماً، وتشير تقارير فنية إلى أن تحديث هذه الشبكة وحدها يتطلب 8 مليارات دولار لمنع التسربات النفطية اليومية المتكررة، وبدون بنية تحتية لنقل الخام بكفاءة، تظل الاحتياطيات الضخمة مجرد أرقام على الورق لا يمكن تحويلها إلى سيولة نقدية في المدى المنظور. تحالفات استراتيجية - شهدت الأعوام الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة التعاون بين بكين وكاراكاس، حيث نصبت شركة "تشاينا كونكورد ريسورسز كورب" (CCRC) منصة حفر بحرية متطورة في "بحيرة ماراكايبو" بولاية "زوليا"، ضمن اتفاقية تمتد لـ 20 عاماً لتشغيل حقول "لاجو سينكو" و"لاجونياس لاجو"، باستثمارات مستهدفة تصل إلى مليار دولار، بهدف رفع الإنتاج من 12 ألف برميل يومياً حالياً إلى 60 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2026، عبر تطوير 500 بئر نفطية وإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة. خبرة تقنية - نجحت شركة "سينوبك" الصينية في الحصول على موافقة المنظمة الدولية للمعايير "أيزو" لأول مواصفة فنية صينية في مجال استخراج النفط الثقيل، الذي يشكّل نحو 36% من الاحتياطيات النفطية المؤكدة عالميًا، وهو تطور يعزز مكانة بكين التي حافظت على إنتاج سنوي من النفط الثقيل يتجاوز 15 مليون طن لمدة 13 عامًا على التوالي بحلول 2024. قدرات تكريرية - تعتبر شركة "بتروسينوفينسا- PetroSinovensa"، وهي مشروع مشترك بين شركة النفط الفنزويلية الحكومية و"سي إن بي سي" الصينية، نموذجاً حيوياً لعمليات خلط النفط، لزيادة إمدادات خام "ميري"، وتعتمد هذه العمليات على خلط الخام فائق الثقل من حزام "أورينوكو" مع خامات خفيفة محلية أو مستوردة (مثل خام "أجبامي" النيجيري)، ويُصدّر كامل الإنتاج إلى الصين، ويُخصص أكثر من نصف الصادرات لسداد قروض صينية مدعومة بالنفط. منشورات ترامب - أصدر "ترامب" أمراً تنفيذياً يمنع المحاكم الأمريكية من مصادرة عوائد النفط الفنزويلي المودعة في حسابات الخزانة الأمريكية، في محاولة للسيطرة الكاملة على التدفقات المالية، لكن هذه السيطرة السياسية تخيف المستثمرين الذين يخشون من تقلب السياسة الخارجية الأمريكية بعد منشور واحد من "ترامب"، ما يجعل الضمانات الأمنية التي يقدمها البيت الأبيض غير كافية لطمأنة مجالس إدارات الشركات الكبرى. مستنقع تقني - مع اصطدام "مغامرة فنزويلا" بالعوائق التقنية والمالية، بدأ "ترامب" في البحث عن بدائل لتأمين احتياجات الطاقة وخفض الأسعار، وهو ما قد يفسر التوجه نحو التصعيد مع إيران للسيطرة على تدفقاتها النفطية، أو حتى التفكير في شراء "جرينلاند" الغنية بالموارد، ففنزويلا التي كان يُنظر إليها كـ "حل سريع" لأسعار الوقود، تبين أنها تحتاج عقوداً من العمل قبل أن تدر أي مكسب حقيقي. المصادر: أرقام – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية - بي بي سي – سي إن بي سي – ذا جارديان – أويل برايس – فوربس – ديسكفري ألرت – أوف شور – ورلد أويل – فنزويلا أناليسز – أرجوس ميديا