استمرار النفوذ الإماراتي في سقطرى… واستثمارات مثيرة للجدل داخل المحميات على الرغم من انقضاء المهلة التي حدّدتها الحكومة اليمنية لدولة الإمارات للانسحاب من اليمن، إلا أن أبوظبي لم تنسحب حتى الآن من أرخبيل سقطرى؛ إذ لا يزال جنود وضباط إماراتيون بزيٍّ مدني، إلى جانب طائرات عسكرية بينها مروحيات، متواجدين في الجزيرة، بالتوازي مع استمرار مستثمرين إماراتيين في تشييد منشآت ومشاريع داخل مواقع حساسة ومناطق محمية، وكأن القرار الرسمي لم يُتخذ، وكأن سقطرى ليست جزءًا من الدولة اليمنية ولا خاضعة لسلطتها. في هذا الفراغ الفاضح بين القرار السياسي والواقع الميداني، تتكشف واحدة من أخطر قضايا التفريط بالأرض والبيئة في تاريخ الأرخبيل. إذ تتصاعد المطالبات بإقالة ومحاكمة محافظ سقطرى رأفت الثقلي، على خلفية اتهامات جسيمة تتعلق بتسهيل بيع أراضٍ محمية، والتواطؤ في العبث بالمحميات الطبيعية والسواحل، وتمكين استثمارات إماراتية من التمدد داخل مواقع ذات قيمة بيئية عالمية، في تجاهل صارخ للقانون وتقارير الجهات المختصة، وبالضغط على مختصين ومحاولة إسكاتهم حين رفضوا تمرير تلك المخالفات. مشروع سبعة نجوم فوق أعشاش السلاحف في قلب هذه القضية، يبرز موقع استراتيجي يقع على الساحل الشمالي الغربي للعاصمة حديبو، يمتد بطول يقارب 800 متر، وبعرض يصل إلى 450 مترًا، من الخط العام وصولًا إلى الساحل مباشرة. هذا الموقع ليس أرضًا عادية قابلة للتصرف أو الاستثمار، بل منطقة بيئية حساسة تُعد من أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية من نوع "الرأس الضخم"، المصنّفة ضمن الكائنات المهددة بالانقراض عالميًا، بحسب ما أفاد مسؤول حكومي في السلطة المحلية لمنصة الهدهد. ورغم هذه الأهمية البيئية، كشفت معلومات محلية حصلت عليها منصة الهدهد عن السماح بإقامة مشروع فندقي ضخم من فئة سبعة نجوم على الموقع ذاته، في خطوة أثارت صدمة واسعة بين المختصين والناشطين البيئيين في سقطرى، الذين اعتبروا المشروع انتهاكًا صارخًا للأنظمة والقوانين اليمنية، وللالتزامات الدولية الخاصة بحماية التراث الطبيعي. تقارير رسمية تُدين المشروع… ثم تُدفن بحسب إفادات مختصين في البيئة، رفضت الجهات البيئية المختصة إعداد تقرير تقييم أثر بيئي لصالح المشروع، وأعدّت بدلًا من ذلك تقريرًا رسميًا يؤكد أن الموقع منطقة محمية، وأن أي أعمال إنشائية فيه تُعد مخالفة قانونية وتشكل ضررًا مباشرًا بالنظام البيئي البحري، وتستوجب الإيقاف الفوري. ووفقًا للمصادر ذاتها، كلّف محافظ سقطرى مكتب حماية البيئة بالنزول الميداني إلى الموقع وإعداد تقرير شامل يحدد طبيعة الأرض وما إذا كانت تدخل ضمن نطاق الحماية البيئية. وجاء التقرير البيئي الرسمي واضحًا وصريحًا: الموقع محمية طبيعية لتعشيش السلاحف البحرية، وأي بناء فيه يمثل انتهاكًا بيئيًا جسيمًا. ورغم وضوح التقرير وخطورته، جرى تجاهله بالكامل، دون اتخاذ أي إجراء لإيقاف المشروع أو محاسبة القائمين عليه. ضغوط وتهديدات لإسكات المختصين تشير المصادر ذاتها إلى أن محافظ سقطرى حاول في البداية الضغط على المختصين وشراء ذممهم لتمرير المشروع، وعندما فشلت تلك المحاولات، لجأ إلى التهديد بالسجن في حال نشر التقرير أو الحديث عنه إعلاميًا. وفي الوقت نفسه، وفّر الحماية للمقاول لمواصلة العمل في الموقع، دون اكتراث بالعواقب البيئية أو القانونية. وتكشف المعلومات أن المشروع يعود لأحد المتنفذين في دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما يتولى وكالته في سقطرى ضابط في الأمن العام يُدعى عبدالله سليمان فدنهن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول تداخل النفوذ الأمني بالاستثمار، وطبيعة الغطاء الذي مكّن المشروع من الاستمرار رغم كل المخالفات المثبتة رسميًا. صمت رسمي وتوسّع إماراتي ورغم رفع هذه الانتهاكات إلى رئاسة الوزراء، يؤكد المسؤول المحلي سالف الذكر عدم اتخاذ أي إجراء حتى اللحظة، وهو ما اعتبره مراقبون تشجيعًا ضمنيًا على التمادي في العبث بأراضي الأرخبيل، وغطاءً سياسيًا غير معلن لما يجري على الأرض. وتأتي هذه القضية ضمن سياق أوسع من عمليات الاستحواذ على الأراضي في سقطرى، التي تزايدت بشكل ملحوظ منذ سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا على الأرخبيل في يونيو 2020. وتشير مصادر محلية إلى قيام شخصيات ومؤسسات إماراتية، أبرزها مؤسسة الشيخ خليفة بن زايد، بشراء مساحات واسعة من الأراضي تحت غطاء العمل الإنساني، مستغلة الأوضاع المعيشية الصعبة للسكان. ولم تقتصر عمليات الشراء على السواحل، بل شملت المرتفعات والأراضي الزراعية، مع تسوير العديد منها بالأسلاك الشائكة، في مشهد يصفه أبناء سقطرى بأنه “تغيير قسري لهوية الأرض وطبيعتها”. تحذيرات محلية وتدخل دولي وكان مؤتمر سقطرى الوطني قد دعا في وقت سابق مجلس النواب إلى وقف العبث بأراضي الأرخبيل ومحاسبة المسؤولين المتورطين، وتشكيل لجان خاصة للنزول الميداني ورفع تقارير شفافة. وفي هذا السياق، أعلن السفير اليمني لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) محمد جميح أن المنظمة أرسلت بعثة رقابة واستجابة دولية إلى جزيرة سقطرى، بمشاركة الاتحاد الدولي لحماية البيئة، عقب تقارير عن انتهاكات تخالف اتفاقية 1972 الخاصة بحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي. وأكد جميح أن البعثة سترفع تقريرها إلى لجنة التراث العالمي، وأن اليونسكو – وليس الحكومة اليمنية – هي من ستحدد طبيعة الانتهاكات، بما يمنع تسييس التقرير، ويجعله وثيقة دولية رسمية محفوظة ضمن أرشيف المنظمة. سقطرى على مفترق طرق بين الصمت الرسمي، والتوسع الاستثماري غير المنضبط، والتحذيرات البيئية المحلية والدولية، تقف سقطرى اليوم على مفترق طرق حاسم؛ فإما حماية هذا الإرث الإنساني الفريد، أو تركه يتحول إلى سلعة في سوق النفوذ والاستثمار السياسي. ويرى ناشطون وحقوقيون أن ما يجري في سقطرى لم يعد قضية بيئية فحسب، بل قضية سيادة وعدالة ومسؤولية تاريخية، تستوجب تحركًا عاجلًا يبدأ بإقالة المحافظ، وفتح تحقيق قضائي مستقل، وإيقاف المشروع المخالف، ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء.