في شتاء 2009، وعلى هامش عالمٍ ما زال يضمد جراح الأزمة المالية، وُلدت البيتكوين من كود كتبه شخص غامض يُدعى "ساتوشي ناكاموتو"، ولم يكن الهدف وقتها مجرد ابتكار عملة رقمية جديدة، بل تشييد نظام مالي أقوى وأشد صلابة من أن يُخترق، ولا يخضع لسلطة دولة أو مؤسسة. ورغم أن العملة الرقمية قامت على تشفير معقّد جعلها تبدو لسنوات كحصن لا يُخترق وبديلًا رقميًا للذهب، فإنها تقف اليوم أمام تحدٍ جديد قد يزعزع هذا الأساس: الحوسبة الكمية، التي تهدد نظام الأمان المصمم ليكون عصيًا على الكسر. ثورة قادمة - في البداية، الحوسبة الكمية هي جيل جديد يعتمد على قوانين فيزياء الكم، ويختلف عن الحوسبة التقليدية في قدرته على معالجة عدد هائل من الاحتمالات في الوقت نفسه بدلًا من معالجة احتمال تلو الآخر. قلب الأمان - تعتمد البيتكوين على التشفير لحماية المحافظ وتنفيذ المعاملات، ببساطة، لكل محفظة مفتاح عام يمكن اعتباره وكأنه عنوان البريد الإلكتروني أو اسم المستخدم، وآخر خاص سري يتيح لصاحبه فقط إتمام المعاملات، ويمكن استخلاص المفتاح العام من الخاص بسهولة، لكن العكس يكاد يكون مستحيلًا. فك التشفير - من هذا المنطلق، يعتمد أمان نظام التشفير على صعوبة هائلة في كسر العلاقة الرياضية بين المفتاحين العام والخاص، وهي مهمة تعجز عنها الحواسيب التقليدية، لكن الحوسبة الكمية قد تغيّر هذه المعادلة، فبواسطة قدرتها على معالجة الكثير من الاحتمالات في آن واحد، يسهل على المخترقين فك هذا الارتباط. تحذير مبكر - في عام 1994، نشر عالم الرياضيات "بيتر شور" خوارزمية كمومية قادرة على اختراق أنظمة التشفير المختلفة، وذكر باحثون مؤخرًا أن حاسوبًا كموميًا قويًا بما يكفي لتشغيل خوارزمية "شور" قادر على استخلاص المفتاح الخاص من العام، وهو ما يعني إمكانية اختراق المحافظ. نافذة خطرة - تُعد المحافظ الرقمية آمنة من الهجمات الكمومية ما لم تكشف عن مفتاحها العام، لكن بمجرد تنفيذ أي معاملة، يظهر هذا المفتاح ويصبح الهدف مكشوفًا، في هذه اللحظة، يكون لدى المخترق الذي يمتلك حاسوبًا كموميًا نافذة زمنية قصيرة لمحاولة سرقة العملات، عبر استخراج المفتاح الخاص وإرسال معاملة منافسة برسوم أعلى للحصول على أولوية التنفيذ. الخطر ليس الآن - رغم كل المخاوف المثارة، لا تزال الحوسبة الكمية في مراحلها الأولى ولم تصل بعد إلى مستوى يشكّل خطرًا مباشرًا على البيتكوين، حيث تُشير التقديرات إلى أن الحواسيب الكمية المتاحة اليوم قد تحتاج إلى نحو 8 ساعات أو أكثر لكسر التشفير، في حين تتم المعاملة تقريبًا بين مجتمع المعدنين في 10 دقائق. عدّ تنازلي - يرى الرئيس التنفيذي لشركة "أليس آند بوب"، "ثيو بيرونين"، أن التكنولوجيا الكمومية ليست متطورة بما يكفي حاليًا لتشكل تهديدًا للعملات المشفرة، لكنها تقترب من ذلك، متوقعًا أن تكون هذه التقنية قادرة على اختراق أنظمة أمان البيتكوين بعد بضع سنوات من 2030. كنز مهدد - تُعتبر الأصول المشفرة المخزنة في محافظ رقمية قديمة هي الأكثر عرضة لهجمات الحواسيب الكمية مستقبلًا، حيث قد تكون ممتلكات "ساتوشي ناكاموتو" -مؤسس البيتكوين- البالغة 1.1 مليون وحدة، هي الأكثر عرضة للاختراق في حال أي هجوم من حاسوب كمومي. أرقام مقلقة - تُقدر شركة الأبحاث "ديلويت" أن أكثر من 4 ملايين وحدة من البيتكوين معرضة لهجمات الحوسبة الكمومية، في حين ذكر "ديفيد دونج"، الرئيس العالمي لأبحاث الاستثمار في "كوين باس"، أن حوالي 6.51 مليون وحدة -ما يقرب من 32.7% من إجمالي المعروض- موجودة في عناوين أكثر عرضة للهجمات الكمومية. قلق الأسواق - هذا القلق بدأ ينعكس في قرارات بعض مديري المحافظ العالمية، حيث ألغى "كريستوفر وود" الرئيس العالمي لاستراتيجية الأسهم لدى "جيفريز"، تخصيص 10% من محفظته الاستثمارية للبيتكوين، معتبرًا أن الشكوك حول أمانها على المدى البعيد تضعف جاذبيتها مقارنة بأصول تقليدية مثل الذهب. جدل مفتوح - على الجانب الآخر، ذكر موقع "كوانتم إنسايدر" نقلًا عن خبراء تشفير، أن هذه المخاوف مبالغ فيها، إذ إن تقنيات البيتكوين قد تتطور لاحقًا إلى خوارزميات جديدة مصممة لمقاومة الهجمات الكلاسيكية والكمومية على حد سواء، لكن هذا التطوير يقف أمام عائق جديد، وهو إجماع داخل شبكة "البلوك تشين" على تبني معايير أمان جديدة، وهو يتطلب سنوات من التنسيق. اختبار المستقبل - في النهاية، لا تشكّل الحوسبة الكمية تهديدًا مباشرًا للبيتكوين حاليًا، لكنها لم تعد مجرد خطر نظري يمكن التغاضي عنه، فالتقنية ما زالت في مراحلها الأولى، إلا أن وتيرة تطورها السريعة حوّلت الملف إلى سباق مع الزمن، بين تسارع القدرات الكمومية من جهة، وقدرة شبكة البلوكتشين على تبنّي أنظمة تشفير أكثر صلابة قبل أن يتحول الاحتمال إلى واقع. المصادر: باينانس – ديلويت – بلومبرج – كوين ديسك – كريبتو نيوز – فورتشن – بارونز – كوانتم إنسايدر