تشهد ألعاب العالم المفتوح على مدار السنوات الأخيرة سباقا مستمرا نحو التوسع من حيث حجم الخرائط وعدد الأنشطة والمهام المتاحة للاعبين وهو توجه يمنح هذه الألعاب قدرة كبيرة على إبقاء اللاعب مندمجا لفترات طويلة تمتد إلى أشهر كاملة من اللعب المتواصل.في المقابل وصل هذا التوجه في بعض المشاريع إلى مرحلة الإرهاق حيث امتلأت الخرائط بعدد هائل من المهام الجانبية الاختيارية التي لا تضيف قيمة حقيقية للتجربة العامة بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتيت تركيز اللاعب وإضعاف الإيقاع السردي خصوصا عند التعامل مع اللعبة بعقلية الإكمال الكامل. أدى هذا التضخم في المحتوى الجانبي إلى فقدان التوازن في عدد من ألعاب العالم المفتوح حيث أصبح اللاعب يقضي وقتا أطول في تنفيذ أنشطة ثانوية متكررة على حساب التقدم في القصة الرئيسية وهو ما ينعكس سلبا على الانغماس والشعور بالإنجاز.ومع ازدياد هذا الاتجاه برزت فئة مختلفة من ألعاب العالم المفتوح اختارت مسارا معاكسا تماما من خلال تقليل المحتوى الاختياري إلى الحد الأدنى أو إلغائه بالكامل والتركيز بشكل أساسي على التجربة الرئيسية. تعتمد هذه الألعاب على تقديم عالم مفتوح يخدم القصة الأساسية بدلا من تشتيت اللاعب بعشرات الأنشطة الثانوية حيث يتم تصميم البيئات والمساحات المفتوحة لدعم السرد وتوجيه اللاعب بشكل طبيعي دون فرض مهام جانبية لا تحمل وزنا حقيقيا.هذا القرار لا يمكن اعتباره إيجابيا أو سلبيا بشكل مطلق إذ إن تنفيذه بشكل سيئ قد يؤدي إلى عالم يبدو فارغا ويفتقر للحياة بينما تنفيذه بشكل متقن ينتج عنه تجربة مركزة ذات إيقاع متوازن وتقدم واضح دون حشو. تتميز ألعاب العالم المفتوح ذات المحتوى الجانبي المحدود بحملات لعب أكثر إحكاما حيث يتم توظيف كل موقع وكل مسار وكل مواجهة لخدمة القصة والتقدم السردي بدلا من استخدامها كمساحة لملء الخريطة بأهداف متكررة.يسمح هذا النهج للاعب بالاستمتاع بعالم واسع دون الشعور بالضغط الناتج عن كثرة المهام غير الضرورية كما يمنحه تجربة أكثر سلاسة تحافظ على الحماس من البداية وحتى النهاية. في هذا النوع من الألعاب تصبح الاستكشافات مرتبطة بالاكتشاف البصري والسرد البيئي بدلا من القوائم الطويلة من الأهداف مما يعزز الشعور بالرحلة ويمنح اللاعب إحساسا بالتركيز والوضوح تسلط هذه الأعمال الضوء على إمكانية تقديم ألعاب عالم مفتوح ناجحة دون الحاجة إلى إغراق اللاعب بمحتوى اختياري مفرط مع الحفاظ على جودة التجربة وقوة الإيقاع السردي. لعبة Assassin’s Creed تعتمد لعبة Assassin’s Creed في إصدارها الأول على بنية لعب مختلفة تماما مقارنة بالأجزاء الحديثة من السلسلة حيث ركزت Ubisoft في هذا الجزء على تجربة سردية محددة ومغلقة نسبيا مع تقليل المحتوى الاختياري إلى الحد الأدنى مقارنة بما اعتاد عليه اللاعبون لاحقا في الأجزاء الأحدث التي امتلأت بالأنشطة الجانبية والمهمات الثانوية المتنوعة. تدور أحداث اللعبة في عدة مدن من الشرق الأوسط خلال فترة الحروب الصليبية حيث يتم تقديم هذه المدن من زوايا جديدة وغير معتادة بفضل نظام الحركة الباركور الذي أصبح علامة مميزة للسلسلة منذ ظهورها الأول ويسمح هذا النظام للاعب بالتنقل فوق المباني والأسطح بطريقة سلسة تمنح إحساسا واضحا بالحرية داخل البيئات التاريخية المصممة بعناية. داخل كل مدينة يطلب من اللاعب تنفيذ مجموعة من المهام المتكررة التي تعتمد على التخفي مثل التنصت على المحادثات وتتبع الشخصيات وسرقة المحافظ وغيرها من الأنشطة التي قد يعتقد البعض في البداية أنها مهام جانبية يمكن تجاهلها بسهولة كما هو الحال في كثير من ألعاب العالم المفتوح. رغم بساطة هذه المهام وطابعها المتكرر إلا أنها ليست اختيارية على الإطلاق حيث يعتمد تقدم القصة بشكل مباشر على إنجاز عدد محدد منها إذ يتم جمع المعلومات حول الأهداف الرئيسية من خلال هذه المهمات ولا يمكن للشخصية الرئيسية Altair تنفيذ عمليات الاغتيال إلا بعد إكمال الحد الأدنى المطلوب من مهمات جمع المعلومات في كل منطقة. لا تقتصر الأنشطة المطلوبة داخل اللعبة على هذه المهمات فقط حيث تحتوي Assassin’s Creed أيضا على مئات الأعلام الموزعة في مختلف الخرائط والمدن ورغم أن جمع العناصر في ألعاب العالم المفتوح غالبا ما يكون اختياريا إلا أن هذه الأعلام لا يمكن اعتبارها كذلك بشكل كامل. تتطلب بعض مهمات جمع المعلومات التقاط عدد معين من هذه الأعلام خلال وقت محدود مما يجبر اللاعب على التفاعل مع هذا النوع من الأنشطة حتى لو لم يكن مهتما بها ورغم هذا الربط تظل عملية جمع الأعلام مملة ومكررة ولا تقدم قيمة حقيقية من ناحية اللعب أو السرد. باستثناء العثور على عدد إضافي من فرسان Templars المجهولين والقضاء عليهم لا توجد حوافز قوية تدفع اللاعب لاستكشاف المدن بشكل أوسع وهو أمر مخيب للآمال خاصة مع المستوى العالي من الدقة الذي وصلت إليه اللعبة في إعادة بناء العمارة التاريخية والشوارع والأسواق بطريقة واقعية ومبهرة. يعكس هذا التناقض واحدة من أبرز مشكلات الجزء الأول من Assassin’s Creed حيث يتم تقديم عالم غني ومصمم بعناية لكنه مقيد بنظام تقدم صارم يعتمد على التكرار الإجباري للمهام مما يقلل من متعة الاستكشاف ويجعل التجربة أقل انسيابية مما كان يمكن أن تكون عليه. كاتب لاعب متمرس، أعشق ألعاب القصة، ولا أجد حرجًا في قول أنني أحب ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أيضًا.