في أحد أحياء ضواحي العاصمة الألمانية برلين، جلس "توماس مولر" -موظف في منتصف الأربعينيات- أمام طاولة مطبخه، حيث كان يقلب في فواتير الكهرباء الخاصة بمنزله التي احتفظ بها على مدار أكثر من عشر سنوات. ومع تمعنه في المبالغ المذكورة في تلك الفواتير، بدت الأرقام صادمة بالنسبة له إذ رغم أن بلاده تُعد من أكثر الدول تقدمًا في التحول نحو الطاقة المتجددة، فإن فاتورة الكهرباء التي يدفعها اليوم أعلى بكثير من تلك التي كان يدفعها قبل عقد من الزمن. تذكر "توماس" حينها كيف كانت حكومة بلاده تتحدث عن "ثورة خضراء" ستجعل الطاقة أنظف وأرخص وأكثر عدالة، مما جعل ألواح الطاقة الشمسية تنتشر فوق أسطح المنازل وكذلك طاقة الرياح على طول الطرق السريعة. كما شاهد محطات الفحم تغلق والمفاعلات النووية تفكك، لكنه كمستهلك عادي، لم يشعر بأن هذا التحول انعكس إيجابًا على حياته اليومية، ففاتورة الكهرباء ظلّت تثقل ميزانيته الشهرية، وأصبحت الطاقة بندًا لا يمكن تجاهله في حساباته الأسرية. وعادة يروج للتحولات في قطاع الطاقة -أي الانتقال من الوقود الأحفوري مثل الفحم إلى بدائل مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والهيدروجين- على أنها حلول شاملة لمواجهة تغيّر المناخ، وتعزيز أمن الطاقة، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل. وتؤكد الحكومات والشركات الكبرى والمؤسسات الدولية باستمرار أن هذا التحول سيحقق فوائد بيئية واضحة، ويوفر تكاليف مستقبلية، ويقلل الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة. لكن الواقع الذي يعيشه ملايين المستهلكين حول العالم يكشف مفارقة لافتة، فبينما تتقدم تقنيات الطاقة المتجددة وتُسجّل انخفاضًا في تكاليف الإنتاج، تستمر فواتير الكهرباء والطاقة في الارتفاع، وتزداد تقلبات الأسعار، وتتفاقم أزمة القدرة على تحمل تكاليف تلك الأسر. التكاليف الخفية والمرتفعة للاستثمارات الانتقالية لا يقتصر التحول في قطاع الطاقة على استبدال محطات الوقود الأحفوري بواسطة الرياح أو الألواح الشمسية، بل يمثل عملية معقدة لإعادة بناء منظومة الطاقة بأكملها. فإلى جانب مصادر التوليد الجديدة، يتطلب هذا التحول استثمارات رأسمالية ضخمة في تحديث شبكات الكهرباء، وتوسيع خطوط النقل، وإنشاء أنظمة ذكية قادرة على استيعاب الطبيعة المتقلبة وغير المستقرة لإنتاج الطاقة المتجددة. وتُعد تجربة ألمانيا مثالًا واضحًا على حجم هذه التكاليف، إذ يُقدَّر أن التحول الطاقي الألماني، المعروف باسم "إنرجي فينده"، سيكلف نحو 1.57 تريليون يورو (قرابة 1.7 تريليون دولار أمريكي) خلال العقد المقبل. هذه النفقات تشمل تشغيل النظام، وتوسيع شبكات الكهرباء، وبناء بنية تحتية جديدة للهيدروجين. وتشير تقارير رسمية إلى أن جزءًا معتبرًا من هذه الكلفة كان يمكن خفضه في حال اتباع نهج أكثر كفاءة في التخطيط وتنسيق الاستثمارات، إلا أن الواقع يعكس عبئًا ماليًا ضخمًا تم تحميله تدريجيًا على النظام الكهربائي. توزيع الاستثمار في قطاع الطاقة النظيفة بحسب الأسواق الكبرى في عام 2024 الدولة / المنطقة الاستثمار (مليار دولار) الملاحظات الصين 818 ارتفع 20% عن 2023 (نحو ثلثي النمو العالمي) الولايات المتحدة 338 شبه راكد (انخفاض نسبي مقابل النمو العالمي) الاتحاد الأوروبي 375 انخفاض عن 2023 رغم الاستقرار النسبي المملكة المتحدة 65.3 انخفاض عن 2023 وتنعكس هذه الاستثمارات مباشرة على المستهلك النهائي، إذ تُموَّل نسبة كبيرة منها عبر تعريفات الكهرباء والرسوم المضافة على الفواتير. ونتيجة لذلك، أصبحت أسعار الكهرباء في ألمانيا من بين الأعلى عالميًا، متجاوزة نظيرتها في الولايات المتحدة بعدة أضعاف، لا سيما بعد التخلي عن الغاز الروسي والاضطرار إلى الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال الأعلى تكلفة. ولا تتوقف الأعباء عند حدود الاستثمار في البنية التحتية، بل تمتد إلى تكاليف تشغيلية مستمرة مرتبطة بإدارة الشبكات الكهربائية. فالناتج المتقلب لطاقة الرياح والطاقة الشمسية يفرض على مشغلي الشبكات تشغيل مصادر احتياطية -غالبًا محطات تعمل بالغاز- لضمان استقرار الإمدادات عند انخفاض الإنتاج المتجدد. كما يتطلب الأمر في أوقات فائض الإنتاج دفع تعويضات لمحطات الرياح لإيقاف التوليد، تفاديًا لاختلال توازن الشبكة. ففي إسبانيا، أصبحت نسبة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء بها مرتفعة جدًا، وهو ما ساعد في تقليل الاعتماد على الغاز في تحديد الأسعار، لكنه كشف في الوقت نفسه عن ضعف البنية التحتية والحاجة لاستثمارات لإدارة التغيرات المتقلبة في إنتاج الطاقة المتجددة. ومع زيادة حصة الرياح والطاقة الشمسية من إنتاج الكهرباء، واجهت الشبكة الإسبانية اختناقات متعددة أدت إلى زيادة تكاليف التشغيل على المستهلكين، وأضيفت هذه الكلفة مباشرة إلى فواتير الكهرباء، ما جعل المستهلك هو الطرف الذي يتحمل العبء النهائي. وغالبًا ما تُغفل هذه التكاليف الخفية في النقاشات العامة التي تركز على انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، دون الالتفات إلى الصورة الكاملة للنظام الكهربائي. فبينما تتحقق مكاسب بيئية واضحة على مستوى خفض الانبعاثات، تبقى الأعباء المالية موزعة على فواتير المستهلكين، لتصبح كلفة الانتقال نفسها أحد العوامل الرئيسية وراء استمرار ارتفاع أسعار الكهرباء، رغم التحول نحو مصادر طاقة أنظف. الدعم الحكومي على حساب المستهلك في معظم دول التحول الطاقي، تمثل السياسات الحكومية الداعمة للطاقة المتجددة حجر الزاوية في تنفيذ برامج الطاقة النظيفة. تشمل هذه السياسات تعريفات تحفيزية طويلة الأمد وإعفاءات ضريبية وعقود دعم أسعار الطاقة، أو ما يعرف بعقود "الفرق في الأسعار" التي تضمن لمشغلي محطات الرياح والطاقة الشمسية سعرًا ثابتًا للكهرباء على مدى سنوات طويلة. والهدف من هذه التدابير غالبًا هو تشجيع الاستثمار في مصادر طاقة نظيفة، وخفض الانبعاثات، وتعزيز أمن الطاقة والذي يأتي غالبًا من خلال فواتير الكهرباء التي يدفعها المستهلكون مباشرة، مما يجعلهم الطرف الذي يتحمل جانبًا كبيرًا من تكلفة الانتقال الطاقي. ففي بريطانيا على سبيل المثال، أكدت دراسة جامعة كلية لندن الجامعية أن طاقة الرياح في المملكة المتحدة خفضت تكاليف الطاقة الإجمالية منذ عام 2010 حتى 2023 بنحو 104.3 مليار جنيه إسترليني (134 مليار دولار أمريكي). في مقابل ذلك، دفع المستهلكون نحو 43.2 مليار جنيه إسترليني (55 مليار دولار أمريكي) في صورة دعم للحوافز الخضراء ضمن فواتير الكهرباء. ولا يقتصر الدعم على حوافز الإنتاج المتجددة فقط، فمع تطبيق نظام عقود "الفرق في الأسعار" لتمويل مشاريع طاقة متجددة جديدة، يضاف المزيد من التكلفة على المستهكلين. ووفق تقديرات حكومة لندن لتنفيذ مرحلة توسعية للطاقة البحرية، فإن حوالي 1.8 مليار جنيه إسترليني سنويًا (2.3 مليار دولار أمريكي) سيتم إضافتها على تعريفات الطاقة عندما تدخل تلك المشاريع الجديدة حيز التشغيل الكامل نهاية العقد الحالي. على الجانب الآخر أدى الإغلاق السريع لمحطات الوقود الأحفوري دون استكمال البنية التحتية الموازية من الشبكات أو التخزين إلى اختناقات تشغيلية وارتفاع الأسعار، مما يفاقم الضغط على المستهلكين. في مقابل ذلك، تظهر أمثلة لدول نجحت في إدارة مزيجها الطاقي بطريقة تقلّل التأثير على الأسعار. فعلى سبيل المثال، استطاعت دول تمتلك مزيجًا متوازنًا بين الطاقة المتجددة والمصادر منخفضة التكلفة مثل الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية مثل فرنسا، الحفاظ على استقرار نسبي في أسعار الكهرباء للمستهلكين، مع الاستفادة من خفض الانبعاثات الكربونية. ويُظهر هذا أن تصميم السياسات ووجود مزيج متنوع للطاقة يمكن أن يساهم في حماية المستهلك من ارتفاعات الأسعار المفاجئة الناتجة عن الاعتماد الكلي على مصادر متجددة متقلبة بدون دعم تكميلي. باختصار، تمثل آليات الدعم الحكومية أداة مزدوجة الحافة: فهي ضرورية لتسريع الاستثمار في مصادر طاقة نظيفة، لكنها في الوقت نفسه قد تُحمِّل المستهلكين التكاليف على المديين القصير والمتوسط من خلال فواتير الكهرباء. ديناميكيات السوق وضغوط الأسعار الخارجية على الرغم من التوسع السريع في قدرات الطاقة المتجددة في العديد من الاقتصادات الناشئة، لا تزال أنظمة الكهرباء تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري كمصدر أساسي أو احتياطي لضمان استقرار الإمدادات. ويعني ذلك أن أسعار الكهرباء لا تتحدد فقط بناءً على تكلفة إنتاج الطاقة النظيفة، بل تبقى خاضعة لتقلبات أسواق الفحم والغاز والنفط العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على المستهلك النهائي. تمثل الهند هذه المفارقة بوضوح، فرغم أنها واحدة من بين أسرع دول العالم نموًا في استخدام الطاقة المتجددة، فلا يزال الفحم يشكل العمود الفقري لتوليد الكهرباء في البلاد، حيث تعتمد الشبكة عليه لتغطية الطلب الأساسي وفترات الذروة. هذا الاعتماد الهيكلي على الفحم جعل أسعار الكهرباء في الهند شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الوقود العالمية. فمع ارتفاع أسعار الفحم المستورد خلال الأعوام الأخيرة، اضطرت شركات الكهرباء إلى تمرير جزء من هذه الزيادات إلى المستهلكين، سواء عبر رفع التعريفات أو تقليص الدعم الحكومي. وقد حدث ذلك في وقت استمرت فيه الاستثمارات الضخمة في الطاقة المتجددة، ما أدى إلى توسع استخدام الطاقة النظيفة دون انعكاس ملموس على فواتير الكهرباء للأسر. في هذا السياق، يتضح أن الافتراض القائل بأن التحول في الطاقة سيؤدي تلقائيًا إلى خفض فواتير المستهلكين يمثل تبسيطًا مخلًا بالواقع. والتحدي الحقيقي أمام صانعي السياسات هو تصميم انتقال طاقي عادل يحقق الأهداف البيئية دون تحميل الأسر والشركات أعباء مالية تفوق قدرتها. المصادر: أرقام- وكالة رويترز- الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا)- معهد أبحاث الطاقة إنستيتيوت فور إنرجي ريسيرش- صحيفة الجارديان البريطانية- صحيفة ذا تايمز البريطانية- صحيفة وول ستريت جورنال- جامعة كلية لندن الجامعية