محمد شالوه * مع دخول العالم لعهد جديد من الثورة المعرفية القائمة على الأدوات والتقنيات فائقة التطور، فإن سباق تأمين المواد الخام اللازمة لهذه الصناعات وما يرتبط بها يعتمد على السرعة والموثوقية. السرعة في ضمان وصول المواد الخام من مراكز الاستكشاف والإمداد إلى مراكز الإنتاج والتصنيع، والموثوقية في تأمين سلاسل الإمداد، لاسيما في حالة التباعد الجغرافي لإمكان استخراج هذه المواد الخام أو ما تُعرف ب «المعادن الحيوية» مع مراكز التقنيات والصناعات.وبالنظر إلى حجم اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، وطموحات الإدارة الأمريكية في تعزيز مكانة الاقتصاد الأمريكي وتوطين الصناعات، فقد أطلقت وزارة الخارجية الأمريكية مبادرة باكس سيليكا، وهي مبادرة استراتيجية تهدف إلى بناء سلسلة توريد آمنة وموجهة بالابتكار، في مجال السيليكون، من المعادن والمواد الخام الحيوية ومدخلات الطاقة، وصولاً إلى التصنيع المتقدم، وأشباه الموصلات، وبنية الذكاء الاصطناعي التحتية، واللوجستيات.جاء الإعلان عن إطلاق هذه المبادرة في قمة باكس سيليكا الافتتاحية والتي تم خلالها التوقيع على إعلان باكس سيليكا في الحادي عشر من ديسمبر الماضي، حيث كانت دولة الإمارات العربية المتحدة في صدارة الدول المدعوة للقمة، وبعد شهر واحد فقط من القمة، وتحديداً في 14 يناير الحالي، تم التوقيع على اتفاقية انضمام الدولة إلى الإعلان، في العاصمة أبوظبي.ويعكس حضور الدولة في القمة، وتوقيت انضمامها إلى الإعلان، حجم الأهمية والأثر الاستراتيجي لمكانتها العالمية في سلاسل التوريد، حيث تعد موانئ الدولة ومراكزها اللوجستية المتقدمة من جهة، ومكانة الأجهزة الاستثمارية- السيادية والخاصة – من جهة أخرى، عوامل لالتقاء اقتصادات العالم وربط مراكز التجارة شرقاً وغرباً.ومن ناحية أخرى، فإن لهذا الإعلان والانضمام أثر في مواجهة الأنشطة والتدفقات المالية غير المشروعة، حيث إنه من المتعارف عليه أن عمليات غسل الأموال تنشط في القطاعات التي يمكن من خلالها تحقيق ربحية عالية مثل تجارة المعادن الثمينة (كالذهب والألماس)، ما يعني أن المعادن الحيوية كالليثيوم والنيكل وغيرها من المعادن الأرضية النادرة قد تكون عرضة للمنظمات الإجرامية لتهريبها والإتجار فيها بشكل غير مشروع، لاسيّما في المناطق التي تشهد نزاعات أو صراعات تؤدي إلى ضعف مستوى الأمن والرقابة.ويأتي انضمام الدولة متماشياً مع نهجها الراسخ في مواجهة الجرائم المالية والأنشطة غير المشروعة، خاصة مع ما ورد في الإعلان من «حماية التقنيات الحساسة والبنية التحتية الحيوية من الوصول أو التأثير أو السيطرة غير المشروعة وتعزيز التعاون في مجال الأمن الاقتصادي والوطني، بما في ذلك اتخاذ إجراءات تكاملية حسب الاقتضاء لمعالجة السياسات والممارسات غير السوقية وتعزيز أمن الاستثمار». وبهذا الانضمام، فإن دولة الإمارات تواصل ريادتها الاقتصادية والاستثمارية المسؤولة، وهي الريادة التي تسعى من خلالها إلى ازدهار المجتمعات وتوفير الرفاه لملايين البشر حول العالم من خلال ما توفره هذه الاستثمارات من فرص عمل ونمو اقتصادي. كما تواصل الدولة ريادتها في تعزيز الأمن والسلم العالميين وخاصة الأمن الاقتصادي من خلال ما تتضمنه هذه المبادرة من تعهدات تشير إلى الحد من الأنشطة غير المشروعة عبر توجيه الأموال لقنواتها الرسمية والمشروعة.هذه الريادة في الأمن الاقتصادي ليست بجديدة على الإمارات، حيث شاركت الدولة في مشروع «النشرة الفضية» وكانت في طليعة الدول عالمياً التي تدعم هذه المبادرة من الإنتربول منذ المرحلة التجريبية، علاوة على دورها في تأسيس الشبكة الإقليمية لاسترداد الأصول غير المشروعة المعروفة ب«مينا ارين» والتي تترأس دورتها الحالية، إضافة إلى العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بمكافحة الفساد والتهرب الضريبي وغيرها من الجرائم المالية.إن دخول الدولة في إعلان باكس سيليكا هي خطوة ريادية أخرى تعكس بُعد النظر نحو اقتصاد عالمي يُعيد تشكيل أولوياته حول موارد الأرض الأكثر أهمية لصناعات الغد والمستقبل، ولطالما كانت الإمارات سباقة نحو تبني حلول المستقبل وإدارة التحديات المرتبطة بها. * مدير إدارة الاتصال والشراكات الاستراتيجية في الأمانة العامة للجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل التنظيمات غير المشروعة