د. رامي كمال النسور* بعد الزخم الاستثنائي الذي ميّز سوق الاكتتابات الأولية في دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلال الفترة 2022–2024، جاء عام 2025 ليشهد حالة من الهدوء النسبي، فقد أظهرت تقارير متخصصة تراجعًا ملحوظًا في عدد الصفقات وحجم العوائد، مقارنة بالعام السابق، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلًا محوريًا: هل يعكس هذا التراجع تباطؤًا دوريًا عابرًا، أم أنه مؤشر على دخول السوق مرحلة جديدة تتسم بقدر أعلى من الانتقائية والانضباط في التسعير وجودة الطروحات؟ بداية، إن ملامح التراجع بالأرقام كانت، وباختصار كما يلي على مستوى الخليج (GCC)، إذ سجلت الأسواق 40 طرحًا بحصيلة تقارب 5.1 مليار دولار في 2025، مقابل 53 طرحًا بحصيلة 13.2 مليار دولار في 2024، أي انخفاض كبير في الحصيلة الإجمالية. على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA، أشارت «إرنست أند يونغ» EY إلى أن المنطقة سجلت 50 اكتتابًا في 2025 (انخفاضًا عن 2024) بإجمالي حصيلة بنحو 6.6 مليار دولار (انخفاض ملحوظ عن 2024). وخلال العام نفسه ظهر نمط «العدد مستقر نسبيًا لكن الحصيلة تتقلّب بقوة»، فعلى سبيل المثال نجد أنه في الربع الثالث من العام 2025 هبطت الحصيلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا MENA إلى 0.7 مليار دولار مع 11 طرحًا، مقارنةً ب 2.5 مليار دولار في الربع الثاني من نفس الفترة. هذه الأرقام تعني أن المشكلة لم تكن دائمًا في «اختفاء» الطروحات أو قلّتها، بل في حجمها وتسعيرها وشهية المستثمرين للمخاطر. والآن لماذا تراجع نشاط الاكتتابات في عام 2025؟ أزعم أنه يمكن تلخيص الأسباب في ستة محركات رئيسية، أولها ضعف شهية المخاطرة وارتفاع كلفة رأس المال عالميًا، حيث إنه حتى عندما تتحسن مؤشرات الأسهم، فإن استمرار حساسية المستثمرين للفائدة والتقلب، يدفع كثيرًا من الشركات لتأجيل الطرح أو تقليص حجمه، لأن نافذة التسعير تصبح أضيق. وثاني هذه الأسباب تذبذب أسعار النفط وانعكاساته على المزاج الاستثماري والإنفاق، فالأسواق الخليجية تبقى مرتبطة — مباشرة أو غير مباشرة — بدورات أسعار الطاقة، ما يؤثر في توقعات النمو والسيولة وتقييمات الشركات في قطاعات متعددة، أما ثالث هذه الأسباب وهو من أهمها إن لم يكن الأهم فجوة التقييم بين البائع والمستثمر (Valuation Gap)، بعد طفرات تقييمية في سنوات سابقة، أصبح المستثمر أكثر تشددًا، يريد خصمًا أعلى في سعر الطرح مقابل المخاطر، بينما يفضّل المُصدِر الحفاظ على تقييمات مرتفعة — فتتعطل الصفقة أو تتقلص. بعد ذلك يأتي السبب الرابع وهو أداء ضعيف/متفاوت لعدد من الأسهم المُدرَجة حديثًا، عندما يلاحظ المستثمر أن طروحات حديثة لم تحقق أداءً قويًا بعد الإدراج، تتراجع شهية الاكتتابات التالية، وترتفع حساسية التسعير، وهذا لاحظناه في الواقع عندما أصبح السعر السوقي لبعض الأسهم عند إدراجها أقل من سعر الطرح بكثير. يأتي بعد ذلك عوامل جيوسياسية وإقليمية، إذ إن التوترات ترفع علاوة المخاطر وتؤثر في تدفقات المحافظ الأجنبية وتوقيت الطرح. وأخيراً يأتي السبب الأخير منافسة قنوات تمويل بديلة بعض الشركات قد تفضّل التمويل عبر الديون/الصكوك أو جولات خاصة (Private placements) بدلًا من اكتتاب عام في سوق متقلب. وهنا نتساءل: كيف أثّر هذا التراجع في أداء أسواق المال في المنطقة؟ في الحقيقة أن التراجع في سوق الاكتتابات الأولية لا يعني دائمًا هبوط المؤشرات، لكنه يترك بصمات واضحة: * السيولة والعمق السوقي: الاكتتابات الكبيرة تضيف «حكاية نمو» وسيولة جديدة للسوق. تباطؤها يقلل الزخم ويزيد تركّز السيولة في الأسهم القيادية. • التنويع القطاعي: الاكتتابات غالبًا هي قناة إدخال قطاعات جديدة (تقنية، صحة، خدمات، لوجستيات). عندما تقل، يتباطأ تنويع المؤشرات. * الرسوم والإيرادات: تتأثر إيرادات البورصات، وشركات الوساطة، ومديري الاكتتاب، والمستشارين والتدقيق... إلخ. * مزاج المستثمرين الأفراد: كثير من الأسواق الخليجية تتميز بثقل مشاركة التجزئة (Retail). ضعف أداء طروحات سابقة، قد ينعكس على الإقبال في الطروحات اللاحقة. • تدفّق الاستثمار الأجنبي: الطروحات عالية الجودة وبحجم مناسب تكون «بوابة» لصناديق عالمية. ضعف خط الأنابيب أو تسعير غير جاذب يقلل الجاذبية. في ظل كل ما جاء أعلاه كيف نُنشّط سوق الاكتتابات مستقبلًا؟ بمعنى ما هي خريطة الطريق العملية المقترحة للنهوض بهذا السوق مرة أخرى. برأينا بدل التركيز على «زيادة العدد»، فإن الأهم هو تحسين جودة الطرح وتسعيره وبنيته، وأولى هذه الأدوات العملية في خريطة الطريق انضباط التسعير وبناء كتاب أوامر قوي بحيث يكون هنالك تسعير واقعي يترك «هامش صعود» بعد الإدراج. وكذلك توسيع قاعدة المستثمرين المؤسسيين (محليًا وخارجيًا)، وتقوية دور المستثمرين الأساسيين (Cornerstone). بعد ذلك يأتي تحسين هيكل الطرح والسيولة بعد الإدراج، فمثلا رفع نسبة الأسهم الحرة (Free float) تدريجيًا. وكذلك تفعيل صناع السوق (Market makers) حيثما أمكن، لتقليل التذبذب وتحسين عمق التداول. ثم تعزيز التغطية البحثية (Research coverage) خصوصًا للطروحات المتوسطة. أيضاً نحن بحاجة إلى جدولة برنامج الخصخصة/التخارجات الحكومية، فبدلا من «التكدّس» في فترات قصيرة، يتم توزيع الطروحات العامة وتنسيقها مع ظروف السوق.لا بد من إيجاد حوافز وتشريعات داعمة دون الإخلال بالحماية تسريع الإجراءات والاعتمادات دون تقليل متطلبات الإفصاح. تحديث قواعد الاستقرار السعري (Stabilization) وال Greenshoe حيثما ينطبق. وتشجيع إدراج الREITs وصناديق ومنتجات تجذب سيولة. * المستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة