استعادت الباحثة والمؤرخة الثقافية الشهيرة، ديانا دارك، ذكريات مسيرة أكاديمية ومهنية طويلة امتدت لأكثر من أربعة عقود في الشرق الأوسط، حازت خلالها جوائز عدة عن عملها كمذيعة ومؤرخة ثقافية للشرق الأوسط، وحصولها على شهادات في اللغة العربية من «جامعة أكسفورد»، وشهادات في الفن والعمارة الإسلامية من «كلية الدراسات الشرقية والإفريقية» (SOAS) في لندن، بينما كرّست دارك أبحاثها لإعادة قراءة تاريخ العمارة الأوروبية من «زاوية إسلامية منسية»، حيث قدّمت مؤلفات أثارت جدلاً أكاديمياً واسعاً، مثل «السرقة من السرّاقين» و«إسلاميسك» الحاصل على لقب أفضل كتاب لعام 2024، وقالت لـ«الإمارات اليوم»، في تصريحات خاصة خلال مشاركتها في الدورة الـ18 من مهرجان «الإمارات للآداب»: «إن العمارة لغة عابرة للثقافات، والمباني ليست مجرد أحجار صامتة، بل وثائق حية تكشف التاريخ والتفاعل بين الحضارات». العمارة والتأثير الحضاري توقفت ديانا دارك عند مشاركتها في «الإمارات للآداب» في جلسة «العمارة الإسلامسكية: مفترق طرق ثقافي في العمارة والحفاظ المعماري»، التي تهدف إلى استكشاف العمارة الإسلامية عند تقاطع الإيمان ومستقبل التصميم، قائلة: «للعمارة دور بالغ الأهمية في التقريب بين الثقافات، فمن خلال إبراز التأثير المتبادل بين الحضارات، وكيف تعلمت من بعضها، يمكن للناس أن يدركوا أن ثقافاتنا، بما في ذلك الثقافات الدينية، تتفاعل وتتداخل على نحو يفند الكثير من المسلمات التي نحملها عن تاريخنا، ويكشف في الوقت نفسه عن إمكانية قيام حضارة إنسانية مشتركة في المستقبل». نقطة تحوّل وأكدت دارك أن بدايتها الأكاديمية مع اللغة العربية كانت نقطة تحوّل حاسمة في مسارها البحثي، قائلة: «لا شك أن إلمامي باللغة العربية كان عوناً كبيراً في عملي، إذ أتاح لي مستوى من الفهم لا يتوافر لدى معظم الباحثين الغربيين، وقد لفت انتباهي تحديداً مدى الحضور المباشر للمصطلحات العربية في اللغة المعمارية الإسبانية، وهو إرث يعود إلى زمن الأندلس»، مضيفة «يمكننا التوقف مطولاً عند مصطلحات مثل (ajimez) التي تطلق على نافذة مزدوجة مصنوعة على الطراز الإسلامي التقليدي يفصل بين فتحتيها عمود نحيل، تعود في أصلها إلى الكلمة العربية الشمس، كما يطلق على المهندس المعماري في الإسبانية (arife) وهي كلمة من أصل عربي تعني (الشخص الذي يتقن فن البناء)». إعادة تصويب وحول كتابها «إسلاميسك»، الذي حاز لقب أفضل كتاب في التاريخ والشؤون الجارية لعام 2024، توضح دارك أن هدفها كان إعادة تصويب هذا المصطلح الذي يشير إلى الطراز المعماري الذي ساد في الفترة الممتدة بين 1100 و1250 م، قائلة: «أردت أن أوضح أن معظم السمات التي يصفها مؤرخو الفن الأوروبيون بأنها رومانيسكية، إنما وصلت إلى أوروبا من إسبانيا الإسلامية وصقلية الإسلامية»، متابعة: «لاشك أن مفهوم (إسلاميسك) لا يلغي العمارة الأوروبية، بل يعيد وضعها في سياقها التفاعلي الحقيقي». أما كتابها «السرقة من السرّاقين»، الذي أثار جدلاً واسعاً بإثباته الجذور الإسلامية للعمارة القوطية الأوروبية، فأشارت دارك إلى أن مقاومة هذا الطرح تعود غالباً إلى التزام كثير من الأكاديميين بحدود مجالاتهم التخصصية، قائلة: «عندما ندرك أن الأقواس المدببة ومتعددة الفصوص والأسقف الحجرية المقببة هي ابتكارات معمارية إسلامية ظهرت لاحقاً في كاتدرائيات أوروبا، ستتبدل زاوية الرؤية بالكامل»، مستشهدة بقول أحد المعماريين الأميركيين لها «عند إدراك الحقيقة، يصبح من المستحيل تجاهلها». بين دمشق والقاهرة توقفت الكاتبة الإنجليزية والخبيرة الثقافية في الشرق الأوسط، عند تجربتها الشخصية في عدد من المدن العربية القديمة، لا سيما دمشق، التي كان لها عميق الأثر في وجدانها البحثي، قائلة: «لا شك أن شراء منزلي المزود بفسحة سماوية داخلية في المدينة القديمة بدمشق، والذي ثم ترميمه مع معماري سوري وحرفيين محليين، أخذني في رحلة ميدانية امتدت ثلاث سنوات في عالم العمارة الإسلامية، قبل أن تعيدني إلى المسار الأكاديمي لاستكمال دراسة الماجستير في الفن والعمارة الإسلامية في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بلندن». وأضافت «كما عشت في القاهرة أربع سنوات، وتعلمت فيها الكثير عن عمارة العصور الإسلامية الوسطى، وهو ما أتاح لي قراءة أعمق للعمارة الإسلامية في هاتين الحاضرتين التاريخيتين، ولولا هذه الخبرة العملية، لما كنت قادرة على تأليف كتب مثل (السرقة من السراقين) و(إسلاميسك)». الذاكرة المعمارية أكدت ديانا دارك لـ«الإمارات اليوم» أن الذاكرة المعمارية مِلك للبشرية جمعاء، وأهم ما يمكن للعالم أن يفعله للمساعدة هو أن يقدر المباني التاريخية تقديراً حقيقياً، وأن يبذل الجهد اللازم لصونها والعناية بها، ففي حلب، على سبيل المثال، أُنجزت أعمال ترميم عالية الجودة في الأسواق القديمة، استخدمت فيها المواد الأصلية، واعتمدت على الحرفيين المحليين وتمت بإشراف خبراء مختصين. تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news Share فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App