قال الدكتور علي أبو دشيش خبير الآثار المصرية ومدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث أنه في الوقت الذي كانت فيه حضارات العالم القديم تعيش في صراعات بدائية، كانت مصر القديمة تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية. وأضاف، لم يكن مفهوم الأمن عند المصري القديم مجرد سلطة لفرض النظام، بل كان عقيدة دينية وفلسفية تهدف للحفاظ على "ماعت" (التوازن الكوني والعدالة المطلقة). ومن هنا، انبثق جهاز شرطة "المدجاي" والعيون الساهرة التي جابت الأسواق، وحرست المعابد، وطاردت لصوص المقابر، ليرسموا لنا صورة مذهلة لدولة المؤسسات التي قدّست القانون وعاقبت الخارجين عنه صوناً للأرض وللحياة الأبدية. أولاً: تطور جهاز الشرطة (من الجيش إلى التخصص) لم تكن الشرطة في البداية منفصلة عن الجيش، ولكن مع اتساع الدولة في "الدولة الوسطى" و"الحديثة"، ظهرت الحاجة لجهاز أمني متخصص: شرطة "المدجاي" (Medjay): هم أيقونة الأمن في مصر القديمة. بدأت كقبائل من الصحراء عُرفت ببراعتها في التتبع، ثم تحولت إلى قوة نظامية ترتدي زياً موحداً وتطبق القانون في المدن الكبرى. الهيكل الإداري: كان يرأس الجهاز "رئيس الشرطة" (مظاي)، ويتبعه رتب مثل "الشاويش" و"الملازم" و"الكاتب"، وكان لكل مدينة "حاكم" مسؤول عن أمنها أمام الوزير أو الملك مباشرة. ثانياً: التخصصات الأمنية (أقسام الشرطة) كان جهاز الشرطة منظماً لدرجة كبيرة تشبه الأنظمة الحديثة: شرطة المعابد: حماية المقدسات والكنوز المودعة في المعابد. شرطة النيل (الشرطة النهرية): تأمين السفن التجارية ومكافحة التسلل عبر النيل. شرطة الحدود والمحاجر: حماية بعثات التعدين في الصحراء ومنع التسلل الخارجي. شرطة الأسواق: مراقبة الموازين والمكاييل ومنع الغش التجاري. شرطة المقابر (أمن الجبانات): حماية وادي الملوك والملكات من اللصوص. ثالثاً: عالم الجريمة في مصر القديمةانقسمت الجرائم إلى فئات تعكس قيم المجتمع المصري: الجرائم الدينية والسياسية: مثل سرقة المقابر الملكية، التآمر على الملك، أو تدنيس المعابد. الجرائم الأخلاقية والاجتماعية: مثل القتل، الزنا، والضرب. جرائم الفساد: الرشوة، تزوير الأختام الرسمية، وشهادة الزور. رابعاً: وثائق من قلب الأحداث (البرديات القانونية) تعتبر البرديات هي "الصندوق الأسود" الذي كشف لنا كيف كانت تدار المحاكمات. 1. برديات سرقات المقابر (أبوت وأمهرست)تؤرخ لعهد "رمسيس التاسع"، وتكشف عن صراع أمني بين "باسر" عمدة طيبة الشرقية و"باورو" عمدة طيبة الغربية بسبب تقصير الأخير في حماية مقابر الملوك، وتصف البردية بدقة كيف تم استجواب اللصوص ومعاينة مسرح الجريمة. 2. بردية تورين القضائية (مؤامرة الحريم)توثق محاكمة المتورطين في محاولة اغتيال الملك رمسيس الثالث.وتوضح كيف تم تشكيل لجنة تحقيق ملكية، وعاقبت المتآمرين بالإعدام أو الانتحار الإجباري، بل وعاقبت القضاة الذين أخلوا بواجبهم أثناء المحاكمة. خامساً: نظام العقوبات (العدالة الرادعة)كانت العقوبات تعتمد على مبدأ التناسب مع الجرم، مع التركيز على "التطهير": العقوبات البدنية: الجلد (عادة 100 جلدة)الأشغال الشاقة والنفي: إرسال المجرمين للعمل في المناجم في ظروف قاسية. عقوبة الإعدام: كانت تُنفذ في الجرائم الكبرى مثل قتل الأب أو الخيانة العظمى، وكان يتم بالحرق أو الخزق لضمان حرمان المجرم من الحياة الأخرى. المصادرة والتشهير: تجريد الموظف الفاسد من منصبه ومصادرة أملاكه أمام الشعب. سادساً: أدوات الشرطة والتحقيق الكلاب البوليسية: كان المصريون أول من استخدم الكلاب المدربة والقرود أحياناً في القبض على اللصوص. العصا (الشومة): كانت الأداة الرئيسية للشرطي المصري. التحقيق والتدوين: لم يكن يُدان شخص إلا بسجلات مكتوبة، وكان "الكاتب" جزءاً أصيلاً من أي دورية شرطية لتسجيل المحاضر. إن دراسة نظام الشرطة في مصر القديمة تثبت أن المصريين لم يكونوا بناة أهرامات فقط، بل كانوا بناة "دولة قانون". لقد أدركوا مبكراً أن الحضارة لا تقوم إلا على الأمن، وأن الأمن لا يستمر إلا بالعدل. فكان الشرطي المصري هو الحارس الأمين لحلم الخلود، والمدافع الأول عن استقرار أعظم حضارات التاريخ.