مارلين سلوم
الفيلم طويل، بل قُل إن هذا الفيلم بالتحديد يبدأ من لحظة انطلاق مشهده الأول، ولا ينتهي مع إسدال الستارة على شارة النهاية، أي بعد نحو ساعتين ونصف الساعة، لأن «نورمبرغ» الذي شاهدناه في الصالات لا يشبه الأفلام التوثيقية، ولا الطويلة التي تعيدنا بالذاكرة إلى وقائع حقيقية حصلت خلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فقط، إنما يستند إلى حقائق وجرائم ومحاكمات حصلت، ويفتح الباب على حقائق تحصل اليوم، لذلك تخرج منه ومعك مجموعة من الأحاسيس، وسؤال لا يغادرك: هل اختفت «النازية» من العالم؟ هل ما ارتُكب من جرائم بحق الإنسانية لا نراه أمام أعيننا في مناطق ودول مختلفة؟ هل غادرتنا «العنصرية» ولم يعد هناك أيّ تمييز بين البشر، وأحكام تُطلق، وتهجير بسبب العرق، والجنسية، والهوية، والدين؟
«نورمبرغ» فيلم يجتمع فيه الإبداع، كتابة وإخراجاً وتمثيلاً، ويعكس أحوال الفكر السياسي العنصري الذي يراوح مكانه منذ الحرب العالمية، وحتى اليوم.
تتملكك الحيرة من أين تبدأ الحديث عن «نورمبرغ»، فالفيلم يشبه السحر الذي يمارسه بطله الدكتور دوغلاس كيلي (رامي مالك)، الطبيب النفسي، ولا يشبه أفلام الحرب المعتمدة على مشاهد من القتال، والمعارك، وقصص الحب والعنف. هو مأخوذ عن كتاب المؤلف جاك الحاي «النازي والطبيب النفسي: هيرمان غورينغ، الدكتور دوغلاس إم. كيلي، ولقاء مصيري في نهاية الحرب العالمية الثانية»، كتبه سينمائياً وأخرجه المبدع جيمس فاندربلت، الذي وجد زاوية جديدة يتناول بها القصة بعد معالجتها في أكثر من عمل سينمائي، ودرامي تلفزيوني. ولم يكتف المخرج الأمريكي بالتركيز على التفاعل الفكري والإنساني بين الطبيب النفسي الأمريكي دوغلاس كيلي، و«الرايخ مارشال» هيرمان غورينغ، الذي كان الرجل الثاني في ألمانيا بعد أدولف هتلر. الدكتور كيلي طبيب نفسي في الجيش الأمريكي تم تكليفه بتحديد الأهلية العقلية للمتهمين النازيين ال 22، والمقرر محاكمتهم في نورمبرغ الألمانية بمجموعة تهم: ارتكاب جرائم ضد السلام، وضد الإنسانية، وجرائم حرب، والتآمر لارتكاب هذه الجرائم.
فوضى
يبدأ الفيلم من حالة الفوضى التي سادت ألمانيا بعد انتحار أدولف هتلر في 30 إبريل/ نيسان 1945، جنود «الحلفاء» ينتشرون، وإذ بسيارة فارهة تحمل علم النازية تتوقف لتثير الرعب واستنفار الجنود، نسمع صوتاً من داخل السيارة يطلب من سائقه، وبالألمانية، رفع راية بيضاء، ثم يخرج من السيارة ليعلن استسلامه، إنه أقوى مسؤول نازي: «الرايخ مارشال» هيرمان غورينغ (راسل كرو)، بينما يتم وضع زوجته إيمي (لوتي فيربيك)، وابنته الصغيرة والوحيدة إيدا، في مكان لا يعرفه أحد.
قبل الغوص في تفاصيل الفيلم، من الضروري التشديد على أنه من الأفلام التي لا تهدف إلى الترفيه، ولا إلى سرد قصص حقيقية مرّت عبر التاريخ، بقدر ما هو وسيلة ذكية للتحدث، بشكل مباشر أو غير مباشر، عن الحاضر، فمن المستحيل مشاهدة فيلم جيمس فاندربلت من دون التفكير في أحوال العالم اليوم: الإبادات الجماعية، والحروب، والقمع، والتمييز العنصري الذي يحدث في جميع أنحاء العالم، وطرح السؤال الأهم: هل ستتم يوماً ما، محاكمة هؤلاء المسؤولين عن تلك الجرائم والحروب وانتهاكات حقوق الإنسان؟
نهاية الفيلم هي الفكرة التي تدور في رأسك طوال مدة مشاهدته، هل ما حدث في الماضي لا يشبه، بأي شكل من الأشكال، ما يحصل في العالم اليوم؟ هل تلك الجرائم لا يشهدها عالمنا حالياً تحت مسميات أخرى غير «النازية»، وهي كلها تعكس أوجه العنصرية، والأحقاد، والتمييز، والقتل الجماعي، والمجاعة، والتعذيب، والإبادة..؟ فيلم يحرّضك على التفكير في ما حصل، وما يحصل، وعلى طرح ألف سؤال، وتبقى الإجابة واليقين منها راسخين في قناعتك، حتى إن بقي العالم صامتاً، ناكراً، متجاهلاً، ليمنح الماضي مسميات وتشريعات، بينما يُغرق الحاضر بأقنعة سياسية ومسميات وتحليلات مخالفة للحقيقة، بل صارت المجاهرة بالفكر العنصري في بعض الدول حقاً لأصحاب الصوت العالي.
يشير العنوان إلى مدينة «نورمبرغ» التي اجتمع فيها ممثلو أربع دول تحالفت لهزيمة ألمانيا النازية، ومحاكمة قادتها، وتلك المدينة التي أطلق منها هتلر «قانون نورمبرغ»، تعتبر رمزاً في وقت كانت مفاهيم القانون الدولي وقواعد الحرب تتطور فيه، بينما لم تتم محاسبة ومحاكمة أحد عن «الجرائم ضد الإنسانية». لذلك يكشف المخرج عن الصراع بين الحلفاء حول كيفية محاكمة القادة النازيين، منهم المُطالب بإعدامهم رمياً بالرصاص من دون محاكمة، وفق ما كان يحدث لقادة الدول المهزومة في الحرب، خصوصاً أن المحاكمة ستكون بوجود صحفيين، وكاميرات، وتلفزيون، وبث إذاعي، ما يعني إمكانية تأثر الناس بما سيشاهدونه ويسمعونه، ومنح النازيين فرصة التحدث والدفاع عن أنفسهم.
تميّز تمثيلي
أهمية الفيلم أن مخرجه اختار ممثلين متميزين جداً، شاركوا في تحويل هذا العمل إلى قطعة فنية تحرضك على التفكير، تشدك منذ اللحظة الأولى وحتى الختام، منافسة قوية، وتكامل رائع في أداء الممثلين، خصوصاً أبطاله راسل كرو ورامي مالك، وبعدهما مايكل شانون. واختار فاندربلت أن يدفع الجمهور إلى الضحك في كثير من المواقف، السخرية الذكية، كأنه يريد تخفيف وطأة المواضيع الجدية والجرائم بلا استخفاف، القضية حقيقية وجدية، لكن الابتعاد عن الوعظ والرسائل الحادة المباشرة يجعل العمل أكثر قرباً من عقل الجمهور، وقلبه.
يتم اعتقال غورينغ، ثم نرى القاضي روبرت إتش جاكسون (مايكل شانون)، العضو المنتدب في المحكمة العليا، يحاول إقناع إدارة الرئيس هاري ترومان بمحاكمة النازيين. نتعرف إلى تفاصيل سجن نورمبرغ وقاعة المحكمة، وفي هذه الأثناء تنشأ علاقة غريبة بين كيلي وغورينغ تصبح هي محور القصة، مالك وكرو يقدمان أداء استثنائياً. الدكتور كيلي أراد «تشريح الشر» من خلال تحديد «ما إذا كان أعضاء القيادة العليا النازية يعانون حالة نفسية دفعتهم لارتكاب فظائع لا توصف، وعلى رأسها المحرقة» كما يقول، لكنه انخرط في القضية بدافع المحاسبة المثالية، وفي الوقت نفسه يجنح نحو دوافع «أنانية»، إذ يرغب في جمع المعلومات لتأليف كتاب خاص به، وبالتالي، حصد الشهرة وتحقيق مبيعات ضخمة.
كيلي الذي يعرّفنا به المخرج باعتباره «ساحراً»، يجد في القائد النازي ساحراً آخر بسبب شدة دهائه، وخبرته، وحنكته، تنشأ علاقة صداقة بينهما، فهل تؤدي إلى تبرئة المتهم؟
ثقة
يُظهر لنا كرو أنه مازال يملك الكثير من القدرة التي لم يقدمها بعد خلال مسيرته الفنية، رائع في اتزانه وهدوئه، وإتقانه للألمانية، وللإنجليزية المعجونة بلكنة ألمانية، ملامح وجهه مريحة ومخيفة في آن، ثقة بالنفس زائدة تشبه ملامح قائد نازي، غورينغ رجل غير عادي، قائد لمجموعة الأسرى، واثق من قدرته على تبرئة نفسه من كل الجرائم والتهم الموجهة إليه، لدرجة أنه يجعل المشاهد يحبه ويتعاطف معه، ومع أسرته، على الرغم من علمنا بأنه مجرم.
رامي مالك الحائز على جائزة الأوسكار لشخصية فريدي ميركوري، يؤكد هو أيضاً قدرته على التألق وتقديم أفضل أداء في كل عمل، وفي هذا الفيلم يتميز بشخصية كيلي، بل يعتبر أفضل ما قدمه في فيلم روائي طويل، حيث يُجسّد صراعات الدكتور كيلي الداخلية من خلال ردود أفعاله أثناء المحادثات ومتابعته لسير المحاكمة. يؤدي مالك بسلاسة دور الشخصية كرجلٍ ذكي، ساحر، وواثقٍ بنفسه، ولكنه في الوقت نفسه مُخادع.
حوارات غورينغ وكيلي أشبه بالمباراة في الذكاء، والقدرة على الإقناع، واختبار الآخر، وكيفية إقناعه والتأثير فيه..
كل الشخصيات الأخرى مهمة، مثل المستشار البريطاني ديفيد ماكسويل فايف (ريتشارد إي. جرانت)، الذي يأتي لمساعدة القاضي جاكسون فيخالفه الرأي ثم يساعده، وقائد نورمبرغ بيرتون سي. أندروس (جون سلاتري)، والمتهمون النازيون الآخرون، منهم رودولف هيس (أندرياس بيتشمان)، نائب الفوهرر الذي قاد طائرة مسروقة إلى اسكتلندا في عام 1941، وقضى السنوات الأربع التالية محبوساً في برج لندن، وحاول التملص من العقاب في نورمبرغ عن طريق ادعاء فقدان الذاكرة.
مشاهد حقيقية
يتعمد المخرج نقل بعض المشاهد الحقيقية من المحاكمة، ومشاهد من الهولوكوست والجرائم التي تم ارتكابها، لكنه يختم بواقع آخر أليم، وهو طرح الدكتور كيلي أسئلة علنية خلال استضافته في أحد البرامج الإذاعية «هل ما يحصل اليوم لا يعتبر إجراماً؟ وهل اختفى النازيون أم أن من حولنا الكثير منهم، ومن يشبهونهم؟».. ثم يقدم ملخصاً عمّا آلت إليه أحوال أبطال القصة، وعن انتحار كيلي عام 1958.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
