عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

معجم اللغة العربية.. هويتنا بين دفتين

كثيرة هي الإنجازات المعرفية والثقافية والفكرية في التاريخ العربي، لكن هناك دائماً من المنجزات ما يمثل فتوحات كبيرة، ولعل «المعجم التاريخي للغة العربية»، الذي صدر في 127 مجلداً العام المنصرف، وأعلن صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، اكتماله في 30 ديسمبر 2024، من تلك المبادرات العظيمة التي كانت مجرد فكرة راودت أجيالاً من المفكرين واللغويين والحكام العرب إلى أن أصبح اليوم واقعاً معاشاً كواحد من أكبر إنجازات الأمة العربية في هذا العصر الحديث.
يعبر هذا الإنجاز عن رؤية صاحب السمو حاكم الشارقة حول اللغة العربية، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، وضرورة أن يكون لها مكانتها وسط اللغات العالمية، حيث لا يمكن الحديث عن نهضة شاملة وتقدم وتطور دون أن يكون الاهتمام باللغة على رأس المهام والواجبات، ربما ذلك ما جعل الشارقة تشتغل على عدد من المشاريع الخاصة بالعربية مثل «مجمع اللغة العربية»، والاهتمام بالمجامع اللغوية في العالم العربي ودعم البحث العلمي وتوثيق اللغة، وتنظيم فعاليات وأنشطة تثقيفية، إضافة لدعم الأكاديميين والباحثين، والتركيز على تعزيز اللغة العربية في المؤسسات التعليمية، ودعم استخدامها في كافة المجالات خاصة في ظل التغريب والاغتراب عن الفصحى وهو ما شكل هاجساً أمام المهتمين بأمر اللغة العربية، وما هذا المعجم إلا ضمن تلك الجهود العظيمة الرامية إلى أن تبقى الفصحى وتنتشر وتتقدم.
مكانة فريدة
عبر صاحب السمو حاكم الشارقة، عن ضرورة الاهتمام باللغة العربية ومكانتها الفريدة والمختلفة بين لغات العالم في كثير من المناسبات، مؤكداً أنها اللغة الأصل لكافة لغات العالم، لأنها لغة سيدنا آدم عليه السلام التي اختصه الله سبحانه وتعالى بها، وظل سموه يشير إلى أن الإمارة ماضيةٌ في جهود دعم ونشر وتعليم وتدريس اللغة العربية في أنحاء العالم، وحفظها، من خلال العديد من المشاريع الخاصة مثل المعجم الذي يتضمن حصر تاريخ هذه اللغة العظيمة على امتداده، وتاريخ علاقتها بمن تداولوها، وهو ما يسهم دون شك في إثراء مصادر دارسيها وتعميق ثقافة متعلميها والمتحدثين بها، وحمايتها من الزوال والتشويه.
وكان معجم اللغة العربية ورغبة راودت الكثيرين، وعلى مر العصور والتواريخ الإسلامية كانت الحاجة تتجدد في ضرورة أن يجمع كلمات ومفردات وجمل وتعبيرات لغتنا الجميلة مرجعاً واحداً يحفظها ويوثق لمسيرتها منذ لحظة الميلاد، يعلن حضورها في كل حين، ففي عصور قديمة كان العرب يعملون على حفظ اللغة عبر المشافهة، جيلٌ يسلمها جيلاً صافية معتقة، لكن مع توسع رقعة العالم العربي عقب الفتوحات والتلاقي مع ثقافات أخرى في أنحاء العالم، شهدت «العربية» اختلاطاً بلغات أخرى فظهرت الحاجة إلى المعاجم التي تحفظ لغتنا من تلك الأخلاط اللغوية فبرزت العديد من مثل تلك المؤلفات في هذا السياق كمعاجم المعاني، والمعاجم المعنية بالمُعرّب والدخيل.
وكذلك هناك معاجم كانت معنية بالأمثال وتعمل على شرحها وتبيان مراميها، إضافة إلى قواميس في مجالات أخرى متعددة، وظلت ساحة اللغة تفتقد على الدوام إلى المعجم الجامع الذي يتصف بالشمول، ومن هنا أتت أهمية هذا المعجم التاريخي الذي وصفه صاحب السمو حاكم الشارقة بأنه ضرورة لغوية وحضارية وتاريخية، وإنجازه سيحدث حركة عظيمة في ميدان الكتابة والتأليف والإبداع الأدبي والإنتاج الشعري، وسيعود بالعربية إلى أمجادها، ويبعث فيها الحيوية والحركة من جديد.

حلم يتحقق
اليوم صار واقعاً معاشاً مع اكتمال هذا المعجم الضخم غير المسبوق في التاريخ العربي والإسلامي، ولعل لغة الأرقام تتحدث عن عظمته، حيث يتضمن نحو 73000 مدخل لغوي، ويشمل أكثر من 21.5 مليون كلمة موزعة على 127 مجلداً.
ويعتمد المعجم على نحو 351000 تاريخي، مستنداً إلى 11300 جذر لغوي. ويصل إجمالي صفحات المعجم إلى نحو 91000 صفحة، وقد شاركت في إنجازه أكثر من 20 مؤسسة لغوية وأكاديمية من مختلف الدول العربية، مما يجعله نتاج تعاون عربي مشترك، يعكس ثراء وتنوع اللغة العربية عبر العصور، لقد صار للغة (الضاد) ديوانها الذي يحفظها ويُعنى بها ويفرد صفحات تاريخها وأثرها في نهضة الأدب العربي وتأثيرها المؤكد في الحضارات والثقافات الأخرى، وكيف لا والعربية هي لغة القرآن الكريم وأقدم لغات الدنيا.
غير أن ذلك الحلم لم يتحقق بيسر وسهولة بل بعزم أكيد وفسحة من التأمل في واقع اللغة العربية من لدن صاحب السمو حاكم الشارقة الذي أشار إلى ذلك في الجزء الأول من المعجم عندما قال: «انقدح في ذهني أنه من الضرورة الحتمية أن يكون للعرب معجم تاريخي يؤرّخ لجميع ألفاظ اللغة منذ نشأتها الأولى إلى العصر الحديث، وقد سألتُ أهل الاختصاص، وأخبِرْتُ أَنَّ محاولات كثيرة شرع فيها أصحابها ولم تُؤتِ ثمراتها نظراً لأسباب وعوامل مختلفة أهمها ضخامة التراث العربي، والكلفة المادية الباهظة، وحجم المشروع الذي يمتد من الفترة التي تسبق العصر الإسلامي منذ قبائل عاد وثمود ولغات أهل جديس وطسم وحمير، مروراً بأشعار الجاهليّة، إلى بزوغ شمس الإسلام وتوالي العصور الإسلامية الزاهرة وصولاً إلى العصر الحديث».
ولعل القول يشير إلى ذلك التطواف البحثي والجهد التنقيبي في تقصي مفردات وألفاظ العرب في حقب وعصور عربية مختلفة، ولئن اللغة كائن حي فإن المفردات تتطور وتحمل دلالات ومعاني جديدة، ما يؤكد عظمة هذا المشروع الذي سعى نحو الإحاطة بكل مفردة ولفظة.
التاريخ العريق
من يمارس القراءة والبحث والتنقيب داخل المعجم يجد نفسه في تفاصيل رحلة نحو الماضي والتاريخ العريق للغة العربية بكل ألقها وبعدها الحضاري وصولاً لعالم اليوم، حيث إن هذا القاموس الضخم هو مرجع فريد لكل مفردة من مفردات العربية سواء التي ما زالت تستخدم أو التي غابت عن مشهد الاستخدام اليومي في كافة المجالات التي توظف فيها العربية الفصحى.
وذلك يشير إلى أن تتبع مسيرة العربية هو تتبع لكائن حي بكل معنى الكلمة، فالمعجم يضم بين طياته جميع ألفاظ اللغة العربية، ويبيّن أساليبها، ويوضح تاريخ استعمالها أو إهمالها، وتطوّر دلالاتها ومبانيها عبرَ العصور، ويُعنى بذكر الشّواهد ومصادرها مع التّوثيق العلمي لكل مصدر، فهو معجم لغويّ موسّع يكشف عن تاريخ اللغة العربيّة، وعن تاريخ الأمّة العربيّة وحضارتها، ولعل الملاحظة الجديرة بالذكر هو ذلك التقسيم لمحتويات المعجم بالأحرف العربية احتفاء بها وتبياناً لمعانيها وجذورها.
والواضح أن المعجم راعي كثيراً من الجوانب العلمية في سياق البحث عن المفردات والكلمات وتحمل من دلالات حيث عمل على دراسة عصور اللغة العربية، وما تعنيه الألفاظ وتطور دلالاتها، فهو رحلة التنقيب المضني عن تلك الألفاظ، حيث يشتمل على كل كلمة استعملت في اللّغة العربيّة بدون استثناء في النصوص والسياقات التي وردت فيها، بجميع صيغها وتقلّباتها، وأبنيتها، والتَّراكيب التي وردت فيها، مع بيان جذرها، وكيفية استعمالاتها، وتاريخ استعمالها، والتّطوّر الذي حصل للكلمة عبر الزّمن، وصولاً إلى دلالاتها المعاصرة.
وتعددت في ذلك المصادر التي تضمنت النقوش القديمة واللهجات الجاهليّة مثل الثمودية وغيرها، ولغات القبائل مثل عاد وطسم وغيرها، والألواح والنقود، ومصادر الشّعر الجاهلي مثل: المعلّقات، والأصمعيّات وغيرها، وما كتب في التفسير، وعلوم القرآن، والحديث والسّنن وشروحها، والفقه الإسلامي وأصوله، والسّيرة النّبوية، وكتب التّاريخ، وغيرها من المدوّنات الإسلامية، وما كتب في الحقل المعجميّ واللساني، وأمّهات كتب التّراث العربي في الأدب والنّقد وغير ذلك من مصادر.
نحو المستقبل
تطورت الكثير من الأمم والشعوب وصارت لها حضارتها وثقافتها لأنها عنيت بلغاتها وأصدرت المعاجم والقواميس، وفي كل واحد منها قصة للعمل الدؤوب الذي يؤكد على أهمية اللغة والتي هي حفظ للتاريخ والسمات والهوية، بالتالي فإن الاعتناء بها هو وفاء للماضي والتراث وانفتاح على الحاضر والمستقبل، حيث سيكون ذلك الاهتمام مجال لانتعاش آداب اللغة العربية في المجالات الإبداعية المختلفة من شعر وسرد ومسرح، وكذلك على مستوى النشاط والإنتاج الفكري والفلسفي فضلاً عن العلوم، فلا شك في أن هذا المعجم سوف يكون خير معين في هذا الازدهار، لكونه سيعيد للغة نفسها ألقها وحيويتها وربما تعود الفصحى لتصبح هي لغة جميع العرب في مختلف البلدان، تستخدم في التواصل والحياة اليومية، وذلك ما يضيف إلى اللغة.
وذلك الأمر كان من الهواجس الكبيرة التي عبرت عنها الكثير من كتابات ومؤلفات صاحب السموّ حاكم الشارقة، إذ يتسلل إلى داخل بنية إصدارات سموه ذات الطابع الإبداعي، ونجد ذلك الأمر جلياً في عدد من الروايات والأعمال المسرحية، فضلاً عن الكتابات التاريخية ذات البذل البحثي والفكري، التي طرقها سموّه برافعة الغوص في التاريخ من أجل الحاضر والغد.
أدى الجهد الكبير لصاحب السمو حاكم الشارقة، إلى أن يرى المعجم النور، وأصبح متاحاً للأفراد والمؤسسات، وذلك يستوجب التفكير في اللغة بصورة مغايرة، فهي ليست فقط أداة للتواصل بل ذات علاقة بالتفكير وحياة الشعوب التي تتحدث بها، حيث يرى العديد من الفلاسفة أن الإنسان يفكر بواسطة اللغة التي تراكم لديه التجارب والخبرات،
وذلك الأمر يعززه عالم النفس الشهير جون واطسون الذي يقول: «إننا نفكر بلغتنا، ونتكلم بفكرنا»، وقريب من ذلك المنحى ذهب اللغوي المعروف سوسير الذي يؤكد أن الإنسان يكتسب اللغة والتفكير من المحيطة، بالتالي هناك ما يشبه الإجماع بين المفكرين على ذلك الرابط أو تلك العلاقة الجدلية بين الاثنين، وحتى الذين خففوا من تلك العلاقة لم يفصلوا بين المجالين، أي اللغة والتفكير، فالتفكير يكون بالكلمات، لذلك فإن العديد من المختصين أشاروا إلى أن اللغة ليست فقط مجرد أداة، بل هي التعبير الخلاق عن الرؤى والأفكار والمشاعر والتعارف بين البشر والثقافات والشعوب.
حامل الهوية
تلك المعاني التي أوردها المفكرون والفلاسفة في الربط بين اللغة والتفكير، لم تكن غائبة عن بال صاحب السمو حاكم الشارقة الذي قال: «ودعوتي إلى أبناء الأمّة من المعاصرين والأجيال القادمة أن يعودوا إلى اللسان العربي الفصيح السليم، وأن يُعْنَوا بهذه اللغة العظيمة، فإنّ اللغة ليست وسيلة للحديث اليومي فقط، وإنّما هي وسيلة للتعبير، وأداة للتأثير، وجسر للتواصل، وميدان للإبداع، وسجل الأمة الذي يحفظ تاريخها، ويؤرّخ لأمجادها وأيامها، ويُثبِّتُ مُقوّمات الهوية العربية الإسلامية في نفوس أبنائها».
وما ذهب إليه صاحب السمو حاكم الشارقة يؤكد على أن اللغة هي حاملة الهوية وحافظة التواريخ والسير، ولئن كان الشعر هو ديوان العرب، فإن اللغة تضج بالأفكار والمشاهدات والمشاعر والرؤى، لذلك فإن المعاجم التاريخية التي تهتم باللغة هي مواعين حافظة لها.
مأمون الأمراء العرب
كان وراء مشروع المعجم صاحب السمو حاكم الشارقة، الذي بذل في سبيل أن يرى المعجم النور كل الممكن والمستحيل، فكان أن أهدى الأمة هذا الجهد العظيم وربما ذلك ما دعا البروفيسور حسن الشافعي رئيس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية، لأن يقول في بداية الجزء الأول من المعجم: «شاء الله -عز وجل- أن تتجه هِمّة صاحب السمو الشيخ العالم المدقق المحقق مأمون الأمراء العرب، المهموم بمصالح أمته، الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حاكم الشارقة، إلى مشروع المعجم التاريخي، ضمن مشروعاته العلمية المتعددة التي يقيمها في أرجاء العالمين العربي والإسلامي، وأن يتكفل مجمع الشارقة للغة العربية بكل المتطلبات العلمية والمادية».

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا