اقتصاد / صحيفة الخليج

لا تُصغِ إلى ضجيج المؤثرين

جوزيف فورد كوتو

لم يكن خطاب الرئيس الأخير، المرتبط في الشق الاقتصادي ومحاربة التضخم، عرضاً مسرحياً موجهاً للمحللين، ولا تقرير أداء يطلب تصفيقاً من منصات التواصل. كان، ببساطة، تقرير حالة لبلد أُشيع عنه مراراً بأن التعافي مستحيل، والتراجع قدر محتوم، وأن الركود هو الوضع الطبيعي الجديد. ما قدّمه دونالد ترامب كان جرد حساب للوعود التي قُطعت وتلك التي أُنجزت، مصحوباً برؤية مستقبلية تشرح لماذا يقف اقتصاد البلاد على عتبة شيء أكبر قادم.
بعد نحو عام في المنصب، أعلن ترامب أن التضخم جرى كبحه، وأن الأجور ترتفع، والأسعار تنخفض، والحدود أصبحت أكثر أمناً، وأن الولايات المتحدة استعادت قوتها واحترامها في الخارج. لم تكن هذه شعارات عابرة؛ بل جوهر هويته السياسية منذ قرابة عقد، تُصاغ الآن على أنها نتائج ملموسة لا مجرد تطلعات.
وهـــنا تكــــمن الأهمــية، فالمصداقـــية الاقتصادية لا تُبنى بالمزاج العام أو المقاطع الرائجة؛ بل بنتائج تنعكس على ميزانيات الأسر، وأسواق العمل، وثقة الأمة بنفسها. طرح ترامب كان مباشراً: الفوضى التي ورثها عن إدارة –هاريس دفعت الاقتصاد إلى حافة الانهيار، أما التعافي الجاري فهو ثمرة خيارات واعية تُعطي الأولوية للعمال الأمريكيين على حساب المفاهيم العالمية المجردة.
ومن أكثر النقاط التي لم تُعط حقها في الخطاب مسألة الهجرة. ذكر ترامب أن الولايات المتحدة تشهد، للمرة الأولى منذ نحو 50 عاماً، هجرة عكسية تُخفف الضغط على الإسكان والوظائف مع تراجع المنافسة على الموارد المحدودة. هذا الكلام ليس بلاغة سياسية؛ فكلفة السكن وضغوط الأجور ترتبطان مباشرة بعرض العمل. ومع تراجع التشوهات المصطنعة، تنفّست العائلات العاملة الصعداء.
وسلّط الضوء على الأثر المدمّر لسياسات المرحلة السابقة على السلـــع الاستهلاكية الأساسية. ففي عهد بايدن ارتفعت أسعار السيـــارات 22% على المستــوى الـــوطني، وتجاوزت 30% في ولايات عدة. لم يكن ذلك مصادفة، إنما متوقعة لتضخم تنظيمي وسوء إدارة سلاسل الإمداد وعداء للتصنيع المحلي. ويُعد انحسار هذه الضغوط مؤشراً واضحاً على تغيّر الاتجاه الاقتصادي.
أما الإعلان الأكثر رمزية فكان «مكافأة المحارب». أكثر من 1.45 مليون عسكري في الخدمة الفعلية تلقّوا مكافأة قدرها 1776 دولاراً قبل عيد الميلاد، ممولة من إيرادات الرسوم الجمركية وإجراءات مالية أخرى. المنطق هنا لا يقل أهمية عن المبلغ، فالتجارة العادلة من خلال «رسوم يوم التحرير» ولّدت إيرادات، لم تبتلعها البيروقراطية؛ بل عادت مباشرة إلى من يخدمون البلاد.
الاستراتيجية التجارية نفسها تقود الانتعاش الصناعي. الشركات تعود إلى الداخل، والمصانع تُبنى بوتيرة لم تُشهد منذ عقود. وعليه، فإن الرسوم لم تُقدّم كعقاب؛ بل كرافعة تعيد التوازن لنظام استنزف الإنتاج المحلي جيلاً كاملاً.
ويبقى الإسكان جرحاً مفتوحاً لدى الناخبين، ولم يتهرّب ترامب من ذلك، تعهّد بخطط إصلاحية هي الأكثر جرأة في التاريخ الأمريكي لخفض القيود وتوسيع العرض. نعم المشكلة لم تُحل بعد، لكن الاعتراف بها كأولوية دليل جدية لا إنكار.
وصف ترامب الولايات المتحدة بأنها «الاقتصاد الأكثر سخونة في العالم». سخر البعض من التعبير، لكن الثقة ليست ترفاً؛ إنها أصل استراتيجي. المستثمرون والمصنّعون والعمّال يستجيبون للزخم، والزخم يتبع وضوح الاتجاه.
صحيح أن الخطاب لم يكن مثالياً. بعض الجمهوريين انتقدوا الأداء وتساءلوا عن أثره في نسب الرضا الاقتصادي التي تدور حول 33%. لكن هذه الملاحظات، وإن كانت مشروعة، فإنها تُفوّت الصورة الكبرى. فالسياسة ليست نقداً مسرحياً، والمسألة تتعلق بمدى تماسك الأجندة وفاعليتها. وعلى هذا الصعيد، كان الخطاب جوهرياً لا فارغاً.
مع ذلك، تعاملت موجة من المؤثرين المؤيدين لحركة «ماغا» مع الخطاب كأنه كارثة. وُصف بأنه «الأكثر عبثية»، مع تحذيرات من تراجع استطلاعات الرأي. في تقديري، لم يكن ذلك نقداً منطقياً للسياسات بقدر ما كانت إدانات استعراضية صُمّمت لزيادة التفاعل. تضخيم القلق، وتهميش الإيجابيات.
هذا السلوك ينسجم مع نمط أوسع من صراعات داخلية اجتاحت الفضاء الرقمي منذ الصيف، من السياسة الخارجية إلى الهجرة، وملفات إبستين، و«اختبارات النقاء الأيديولوجي»، والخصومات الشخصية. والنتيجة؟ ضجيج يبدّد الثقة. فالخوف والشك لا يدمّران القيمة في الأسواق فحسب؛ بل يُحبطان الناخبين. وعندما يُصوّر التقدم الاقتصادي كفشل، تتآكل الروح المعنوية للشعب الأمريكي الذي سيحسم نتائج انتخابات التجديد النصفي.
أوضح خطاب ترامب بجلاء أن التعافي ليس نظرياً؛ بل جارٍ وقابل للقياس ومربوط بخيارات يمكن الدفاع عنها، وإهدار الوقت في هدم ذلك مع اقتراب الاستحقاقات هو الخسارة الحقيقية.
لن تستفيد أمريكا عندما يقتنع تحالفها السياسي الأكثر نجاحاً بأن التقدم فشل، ولن يستفيد ناخبو ترامب، ولا الحزب الجمهوري، ولا البلاد. وإذا أرادت أمريكا أن تمضي نحو «عصرها الذهبي»، فلا بُد من تجاهل ضجيج صانعي «النقرات أونلاين»، وعناوينهم الجاذبة للانتباه، ومن يلهثون وراء الشهرة. لأنهم، بقصد أو بغير قصد، يمهّدون لموجة مدمّرة للأمة.
* كاتب عمود ومقدم برنامج «نيوز سايت»«أميركان ثينكر»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا