كريستوفر لويس
لم يعد التهديد الأخير الذي أطلقه دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على خلفية مواقف الدول من غرينلاند مجرد حلقة جديدة من شدّ الحبال عبر الأطلسي، بل بات اختباراً محسوباً لتماسك أوروبا الاقتصادي وصلابتها السياسية.
فمن خلال التلويح بفرض رسوم عقابية على دول أوروبية بعينها ما لم تحصل الولايات المتحدة على تنازلات استراتيجية مرتبطة بغرينلاند، يعيد ترامب إحياء أداة قديمة بصيغة جديدة وهي عسكرة التجارة، لا ضد الخصوم فحسب، بل ضد الحلفاء أيضاً — وبطريقة غير متكافئة.
للوهلة الأولى، تبدو الرسوم المقترحة إجراءً فجّاً ومباشراً. غير أن آثارها ستكون بعيدة كل البعد عن العدالة والمساواة. فالخطر الحقيقي يكمن في التفاوت الكبير في كيفية تلقّي الدول الأوروبية للصدمة، وما قد يسببه ذلك من ضغوط داخلية على الاتحاد الأوروبي نفسه.
سوف تتحمل ألمانيا، بوصفها قاطرة الصادرات الأوروبية، العبء الأكبر من حيث التكلفة المطلقة. فالولايات المتحدة لا تزال من أهم أسواقها خارج الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في مجالات السيارات والآلات الصناعية والتصنيع المتقدم. وحتى الزيادة المحدودة في الرسوم سوف تُحدث موجات ارتدادية في نموذج النمو الألماني القائم على التصدير، لتطال المورّدين وفرص العمل والاستثمار. وبالنسبة لبرلين، لا يقتصر الأمر على ألم اقتصادي، بل يتجاوز ذلك إلى هشاشة استراتيجية، إذ تذكّرها الرسوم إلى أي حدّ يظل ازدهارها مكشوفاً أمام قرارات سياسية تُتخذ خارج حدودها.
أما فرنسا، فستواجه أثراً مختلفاً، وإن لم يكن أقل حساسية. فتعرضها الأكبر يكمن في قطاعات عالية القيمة، مثل الصناعات الجوية، والسلع الفاخرة، والمنتجات الزراعية والغذائية، والكيماويات. ولن تؤدي الرسوم إلى تراجع القدرة التنافسية في السوق الأميركية فحسب، بل سوف تصيب أيضاً صناعات وثيقة الصلة بالهيبة الوطنية والدعم الحكومي. وبالنسبة لباريس، سيعزز تحرك ترامب قناعة قديمة مفادها بأن على أوروبا السعي إلى “الاستقلال الاستراتيجي”، رغم أن ترجمة هذا الشعار إلى سياسات عملية لطالما كانت أصعب من ترديده.
أما فيما يخص الاقتصادات الشمالية الأصغر حجماً، فقد تتضرر حسب مكوناته وطبيعة القطاعات الناشطة والخاملة. فالدنمارك، بحكم ارتباطها السياسي المباشر بغرينلاند، ستجد نفسها في قلب العاصفة. وستكون صادراتها الدوائية والغذائية والصناعية، التي يعمل كثير منها بهوامش ربح ضيقة، شديدة الهشاشة. كما سوف تشعر فنلندا والسويد، المعتمدتان بقوة على التجارة والمنخرطتان بعمق في سلاسل القيمة العالمية، بالضغط ذاته. وبالنسبة لهاتين الدولتين، قد تترجم حتى الرسوم المحدودة إلى تباطؤ في النمو، وتراجع في الاستثمار، وخسارة وظائف في صناعات متخصصة.
وتعتبر هولندا القلب اللوجستي لأوروبا، لذا فهي ستواجه أضراراً مباشرة وغير مباشرة في آن واحد. فباعتبارها مركزاً تجارياً رئيسياً، فإن أي اضطراب في التدفقات عبر الأطلسي سيؤثر ليس فقط في المصدّرين الهولنديين، بل في سلاسل الإمداد الأوروبية التي تمر عبر روتردام وغيرها من الموانئ. فالرسوم التي تُفرض على دول بعينها نادراً ما تبقى محصورة ضمن حدودها.
أما المملكة المتحدة، ورغم خروجها من الاتحاد الأوروبي، فلن تكون بمنأى عن التأثير. فإدراجها ضمن قائمة الدول المستهدفة يسلّط الضوء على حقيقة أوسع وهي أن “بريكست” لم يحمِ بريطانيا من الضغوط الجيوسياسية في مجال التجارة. وسوف تتضرر صادراتها من السيارات والأدوية في وقت لا تزال فيه تحاول إعادة تعريف موقعها التجاري العالمي. وبالنسبة إلى لندن، تشكّل هذه الحلقة تذكيراً إضافياً بأن القرب السياسي من واشنطن لا يضمن حماية اقتصادية.
وبالحديث عما وراء التأثيرات القطرية، تبرز مسألة أكثر إثارة للقلق. ذلك أن نهج ترامب يستغل عمداً التفاوتات البنيوية داخل أوروبا. صحيح أن الاتحاد الأوروبي اتحاد جمركي موحّد، لكن اقتصادات دوله ليست متماثلة. ومن خلال استهداف بعض الدول أكثر من غيرها، يمكن لواشنطن أن تضخّم التوترات الداخلية — بين كبار المصدّرين والدول الأصغر، بين الشمال والجنوب، وبين من يدعون إلى المواجهة ومن يفضّلون التهدئة.
هنا تكمن الخطورة الاستراتيجية لرسوم غرينلاند. فهي لا تمس المصالح التجارية لأوروبا فحسب، بل تضرب وحدتها السياسية. وإذا بدأت الدول بالسعي إلى استثناءات أو صفقات جانبية لحماية صناعاتها الوطنية، فإن النفوذ التفاوضي الجماعي للاتحاد الأوروبي سيتبخر. وترامب يدرك هذه المعادلة جيداً، فهدفه لا يقتصر على مكاسب اقتصادية، بل يمتد إلى تفتيت سياسي محسوب.
وهل تمتلك أوروبا أدوات للرد؟ طبعاً، من بينها الرسوم الانتقامية وآلية مكافحة الإكراه الاقتصادي. غير أن فاعلية هذه الأدوات مشروطة بالوحدة والعزم — وهما عنصران كثيراً ما يضعفان تحت الضغط. فالرد المنقسم يدعو إلى التصعيد، بينما الرد المنسّق قد يشكّل رادعاً حقيقياً.
في المحصلة، تشكّل مقامرة ترامب بغرينلاند تذكيراً صارخاً بأن الترابط الاقتصادي لم يعد درعاً في عالم تتجدد فيه منافسات القوى الكبرى. فقد أصبحت التجارة سلاحاً، ولم يعد الحلفاء بمنأى عن تصويبه نحوهم. والسؤال المطروح أمام أوروبا لم يعد ما إذا كانت ستتعرض لهذا النوع من الضغط، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّله جماعياً — أم أنها ستتصدع تحته دولة بعد أخرى.
*أستاذ تحليل الاقتصاد السياسي في جامعة هارفارد «ريال كلير ويرلد»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
