إسماعيل الحمادي
صحيح أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في دبي أصبح يشمل مختلف القطاعات، بما فيها القطاع العقاري، وفي السنوات الأخيرة أصبح مفهوم العقارات الذكية طاغياً، مباشرة بعد ظهور مفهوم «أتمتة المباني»، الذي أحدث ثورة جديدة في عالم البناء، وأصبح اتجاهاً موحداً لجميع المشاريع العقارية الجديدة، بما فيها السكنية والتجارية، هذا المفهوم كان يقصد به التحول من الحياة التقليدية داخل العقار، إلى الحياة العصرية السهلة باستخدام التكنولوجيا في جميع الزوايا والاستخدامات اليومية، لتعزيز رفاهية الحياة أكثر، اعتمد هذا التوجه على أنظمة ذكية للتحكم في الإضاءة، التكييف والتدفئة، المصاعد، أنظمة الأمان والمراقبة، إنترنت الأشياء (IoT)، والذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، فيمكن للفرد فتح ستارة من مكانه أو برمجتها لتُفتح تلقائياً، فتح زر الإنارة عن بعد.... وكثيراً من هذه الاستخدامات التي كان الهدف منها، تقليل استهلاك الطاقة وتحسين الأداء التقني، وتحسين الكفاءة التشغيلية للعقار وجعل الحياة أكثر سهولة من دون بذل جهد للإنسان.
في مفارقة أخرى، ظهر مؤخراً مفهوم جديد آخر، للتبني في عالم العقارات وهو مفهوم «الأنسنة» أو «انسنة المباني» ! يركز هذا المفهوم على تحسين تجربة الإنسان داخل المبنى وتعزيز رفاهيته وصحته النفسية والجسدية وتعزيز الراحة والتفاعل الإنساني بالمحيط الذي يتواجد فيه من خلال رفع جودة الهواء والإضاءة الطبيعية، تقليل الضوضاء، مساحات مفتوحة تشجع على التفاعل الاجتماعي وتراعي الاحتياجات المجتمعية، وتحفز الإنسان على الحركة.
يبدو أن المفهومين متعارضان، وربما قد يضيع الشخص بينهما، أيهما أفضل لحياته، وأيهما أفضل لاعتماده في تشييد العقارات الحديثة.
منطقياً بقدر، ما خدمت التحولات التكنولوجية ومفهوم «الأتمتة» الحياة للأشخاص داخل العقارات وسهولتها، إلا أنها خلقت نوعاً من الخمول، قللت من حركة الفرد وتعامله بجدية مع طوارئ الحياة لذلك، ظهرت الحاجة إلى العودة إلى الحياة الطبيعية للحفاظ على الفطرة الإنسانية وللحفاظ على الإنسان نفسه وصحته، فظهر مفهوم الأنسنة.
ومع كل التقدم التكنولوجي الذي وصلنا إليه في بلادنا اليوم، لم تغفل الإمارات عن العنصر الأهم في المعادلة وهو «الإنسان»، فجاء مشروع «أنسنة المباني» الذي أطلقته وزارة الطاقة والبنية التحتية، ضمن الحزمة الثالثة لمشاريع التحول الوطني، دعماً لرؤية «نحن الإمارات 2031» و«رؤية الإمارات 2071»، واستحداثها شهادة «الأنسنة» الإماراتية الأولى من نوعها في المنطقة للمباني الحكومية والخاصة التي تعزز الراحة والصحة والرفاهية النفسية للأفراد، التركيز هنا ليس فقط على كفاءة البناء، بل على جودة الهواء، الإضاءة الطبيعية، تقليل الضوضاء، الراحة الحرارية، وتشجيع النشاط البدني. أي أن المبنى لم يعد مجرد «هيكل ذكي»، بل بيئة معيشية شاملة ومتكاملة تخدم صحة الإنسان وعلاقته بالمكان.
الحقيقة أن البناء اليوم في الإمارات ودبي خاصة، يشهد توجهاً مزدوجاً يجمع بين الأتمتة والأنسنة. والمستقبل العقاري في دبي يرتكز على دمجهما معاً لبناء مدن ذكية... وإنسانية في آنٍ واحد.... كيف يتكامل هذان المفهومان لتعزيز جودة البيئة العقارية في الإمارة؟
المعادلة ليست أن نختار بين الأتمتة أو الأنسنة، بل أن نصمم المباني التي تجمع بين الاثنين. مبنى يستخدم الذكاء الاصطناعي لإدارة طاقته، لكنه في الوقت نفسه يفتح نوافذه للضوء الطبيعي، ويوفر مساحات خضراء، ويعزز التفاعل الاجتماعي بين قاطنيه. مبنى يُبنى بالروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، لكنه يُصمم ليشبه نمط حياة السكان وثقافتهم المحلية.
هذا التكامل سيكون حجر الزاوية في العقارات المستقبلية بدبي، لا سيما مع خطط الإمارة لاستقطاب المستثمرين والمقيمين من مختلف دول العالم، وتوفير نمط حياة راقٍ ومستدام. فالسائح والمستثمر والمقيم، جميعهم باتوا يبحثون عن بيئة ذكية وعاطفية في الوقت ذاته.
خلاصة القول: الأتمتة تعني الكفاءة، والأنسنة تعني الراحة، ومستقبل العقارات لا يقوم فقط على أعلى الأبراج ولا أحدث الأنظمة، بل على القدرة في خلق توازن دقيق بين التكنولوجيا والإنسان، المستقبل الحقيقي هو مبنى ذكي لا يقصي الإنسانية.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «الرواد للعقارات»
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
