اقتصاد / صحيفة الخليج

«إيه إس إم إل» تخرج تقنية «إي يو في» من نطاق المنافسة

في زمن تُعرَّف فيه العلاقات الدولية بمنطق الصراع التكنولوجي، يسود افتراض شائع مفاده بأن أي تفوق استراتيجي لا بد أن يفرز منافسين عاجلاً أم آجلاً. غير أن تجربة شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، التي تحتكر عالمياً تكنولوجيا الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى «إي يو في»، تكشف حدود هذا الافتراض.

لا يعود غياب منافسين حقيقيين للشركة في الولايات المتحدة أو آسيا إلى نقص الموارد أو الطموح، بل إلى طبيعة هذه التكنولوجيا نفسها، التي تقع عند التخوم القصوى لما يمكن للحضارة الصناعية الحديثة أن تنجزه.

هندسة عند حدود الفيزياء

ليست تكنولوجيا «إي يو في» مجرد خطوة متقدمة في صناعة الرقائق، بل قفزة إلى منطقة رمادية بين الهندسة التطبيقية والفيزياء الأساسية. فهي تعتمد على ضوء بطول موجي يبلغ 13.5 نانومتر، وهو ضوء يُمتصّ في الهواء ولا يمكن تركيزه بعدسات تقليدية، ما يفرض تشغيل النظام في فراغ شبه كامل واستخدام مرايا فائقة الدقة بدل العدسات.الزمن عامل حاسم

لم تصل شركة «إيه إس إم إل» إلى هذا الموقع عبر اختراق مفاجئ، بل عبر ثلاثة عقود من المحاولات الفاشلة والتراكم المعرفي البطيء. فقد بدأت الشركة العمل على تطوير تجهيزات تقنية «إي يو في» منذ أواخر الثمانينات، في وقت لم تكن فيه التكنولوجيا قابلة للتسويق. ولسنوات طويلة، استنزفت هذه الأبحاث مليارات اليوروهات من دون عائد واضح.

والذي مكّن الشركة من الاستمرار هو امتلاكها تدفقات مالية مستقرة من تقنيات أقدم أهمها تقنية «دي يو في»، وهي تقنية طباعة ضوئية تستخدم ضوءاً فوق بنفسجي بطول موجي محدد، إلى جانب دعم طويل الأمد من الحكومات الأوروبية ومؤسسات البحث الأمريكية. في المقابل، واجهت شركات منافسة التحديات نفسها، لكنها انسحبت عندما اصطدمت بخسائر ممتدة لا تتحملها الأسواق ولا يقبل بها المساهمون.

ففي الصناعات المتقدمة، الزمن لا يُعوَّض بالمال، ولا يمكن شراء المعرفة المتراكمة دفعة واحدة.

اختناقات لا يمكن استنساخها

لا تقوم هيمنة الشركة الهولندية على قدراتها الداخلية وحدها، بل على سيطرتها على اختناقات حاسمة في سلاسل التوريد. ولعل المثال الأبرز هنا يتمثل في شراكتها العميقة مع شركة «زيس» الألمانية، الوحيدة في العالم القادرة على إنتاج مرايا «إي يو في» بالدقة الذرية المطلوبة. هذه المرايا ليست منتجات تجارية، بل ثمرة عقود من التطوير المشترك.

وينطبق الأمر ذاته على مصادر الضوء عالية ، وأنظمة الحركة فائقة الدقة، والبرمجيات المتكاملة مع مصانع الرقائق المتقدمة. فأي منافس محتمل لا يحتاج إلى تطوير آلة فحسب، بل إلى إعادة بناء منظومة صناعية كاملة غير موجودة أصلاً خارج فلك «إيه إس إم إل».

أمريكا والمنافسة غالباً ما يُساء فهم غياب منافس أمريكي بوصفه إخفاقاً صناعياً. في الواقع، هو خيار استراتيجي. فالولايات المتحدة تهيمن على تصميم الرقائق، والملكية الفكرية، وبرمجيات التصميم الإلكتروني. وهي التي طوّرت الأسس العلمية لتقنية «إي يو في»، ومَوّلت الشركة الهولندية عبر مختبراتها الوطنية. من منظور واشنطن، كان الاستثمار في تصميم الشرائح والبرمجيات أكثر ربحية وأسرع عائداً من تصنيع معدات شديدة التعقيد وبطيئة التسويق. وهكذا فإن التخلي عن تصنيع أدوات الطباعة الضوئية لصالح حليف موثوق لم يكن تقاعساً، بل تقسيم عمل عقلاني داخل المنظومة الغربية.

آسيا واختياراتها المختلفة

اتبعت القوى الآسيوية منطقاً مشابهاً. فاليابان، التي كانت رائدة في الطباعة الضوئية، تعثرت عند الانتقال من تقنية «دي يو في» إلى تقنية «إي يو في»، بسبب كلفة المخاطرة العالية وثقافة الشركات المتحفظة وتشتت السياسات الصناعية. أما تايوان وكوريا الجنوبية، فركزتا على التميز في التصنيع والكفاءة والإنتاج واسع النطاق، مفضّلتين شراء أفضل الأدوات بدل تطويرها.

أما ، فقد دخلت السباق متأخرة جداً. ورغم الاستثمارات الضخمة، فإنها تفتقر إلى المنظومة البصرية فائقة الدقة، والخبرة الصناعية المتراكمة، كما تواجه قيوداً تصديرية تمنعها من الوصول إلى المكونات الحاسمة.

الجيوسياسة وتجميد المنافسة

بعد أن رسخت «إيه إس إم إل» تفوقها، جاءت القيود الجيوسياسة لتُجمّد السوق. فقيود التصدير تمنع وصول المنافسين المحتملين إلى المكونات المتقدمة أو إلى مصانع الشرائح الرائدة، حيث يتم التعلم والتحسين. وهكذا تتشكل حلقة مغلقة: لا زبائن بلا تقنية ناضجة، ولا تقنية ناضجة بلا زبائن.

وهكذا تحولت «إيه إس إم إل» من شركة صناعية إلى بنية تحتية استراتيجية يُنظر إليها كأصل سيادي داخل المنظومة الغربية.

أصغر من قطر الذرة

تضم آلة «إي يو في» الواحدة أكثر من 100 ألف مكوّن، وتعمل بتفاوتات قياس تُقدّر بالبيكومتر، أي أصغر من قطر الذرة. وأي خلل طفيف في الحرارة أو الاهتزاز أو المحاذاة كفيل بإفشال العملية بأكملها. هذه ليست صناعة معيارية يمكن تفكيكها إلى أجزاء مستقلة، بل منظومة متكاملة ينهار أداؤها إذا اختلّ أحد عناصرها.لهذا السبب، فإن عائق الدخول إلى هذا المجال ليس مالياً أو تنظيمياً فحسب، بل فيزيائي بالدرجة الأولى.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا