في مشهدٍ اقتصادي لم يعد يعترف بالقواعد التقليدية، بدأ سوق السندات بإرسال إشارات تحذيرية صاخبة، معبراً عن مخاوف جيوسياسية وتجارية تتجاوز في حساسيتها أسواق الأسهم.
بينما كانت السندات الأمريكية تاريخياً هي "المرفأ الآمن" الذي ترسو فيه أموال المستثمرين وقت الأزمات، تغير الوضع تمامًا اليوم، إذ تحولت الحكومة الأمريكية نفسها إلى مصدر للاضطراب، مما دفع العالم لتبني استراتيجية "بيع أمريكا" كرد فعل على القرارات المفاجئة للإدارة الحالية.
ومع سعي القوى الكبرى إلى التنسيق للتدخل في أسواق الصرف، يبرز ملاذ آمن رئيسي يلمع وسط هذا الضباب: الذهب، ففي خلال الـ 26 يوماً الأولى من العام، قفز المعدن الأصفر 15% متجاوزاً حاجز الـ 5100 دولار، ليثبت أنه الملاذ الذي لا يخذل المستثمرين حينما تهتز ثقتهم في كل شيء آخر.

حساسية سوق السندات.. الملاذات التقليدية تفقد بريقها
أصبح سوق السندات – نظرًا لحساسيته الشديدة للتغيرات – بمثابة أداة للتعبير عن المخاوف الاقتصادية والتجارية والسياسية، إذ يعتبر أكثر استجابة من نظيره سوق الأسهم.
قدم سوق السندات إشارات هامة مجددًا، لا سيما بعد موجة البيع واسعة النطاق التي شهدتها الأسبوع الماضي التي رفعت العوائد بقوة، تحديدًا مع تسليط الضوء على استراتيجية "بيع أمريكا" التي تلجأ إليها الدول والمستثمرون تخوفًا من قرارات الإدارة الأمريكية المفاجئة خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، وكذلك كوسيلة للرد على أسلوب التهديد الذي يتبعه الرئيس "ترامب".
أما في اليابان، بعد موجة البيع العنيفة اندفعت العوائد لمستويات قياسية تجاوزت 4% للسندات طويلة الأجل – بالتزامن مع تقلبات حادة في قيمة الين - ويستعد المتداولون لمزيد من التذبذبات خاصة مع اقتراب البلاد من الانتخابات المبكرة التي دعت إليها رئيسة الوزراء "ساناي تاكايتشي"، ما يرجح حدوث تقلبات سعرية أكثر حدة.

ترددت أصداء تلك الصدمة حول العالم حتى أن وزير الخزانة الأمريكي "سكوت بيسنت" أخبر وزيرة المالية "ساتسوكي كاتاياما" أن عمليات البيع المكثفة أثرت في الأسواق الأمريكية، وصرح محافظ بنك اليابان "كازو أويدا" أن البنك قد يلجأ لشراء السندات لتحقيق استقرار السوق، فهل ستكون هذه الموجة البيعية الأخيرة لسوق السندات اليابانية هذا العام؟
سوق العملات..السلطات تستعد للتدخل
مع تزايد الإشارات إلى تدخل منسق وشيك بين السلطات في الولايات المتحدة واليابان، بعد مراجعة الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك سعر صرف الدولار مقابل الين، قفزت العملة اليابانية في بداية هذا الأسبوع إلى أعلى مستوى لها في أكثر من شهرين، وذلك عقب تحذيرات متكررة من المسؤولين في اليابان بشأن ضعف العملة المحلية.
في احتمالية لم يستبعدها كبير مسؤولي العملة في طوكيو، كما صرحت رئيسة الوزراء اليابانية "ساناي تاكايتشي" أن حكومتها ستتخذ الخطوات اللازمة لمواجهة المضاربات في السوق، رغم أن الولايات المتحدة لم تنضم لأي جهد منسق للتدخل في سعر صرف الين الياباني منذ مارس 2011، عندما باعت الين عقب زلزال فوكوشيما.
إلى جانب الضغوط الأخرى التي يتعرض لها الين بسبب المخاوف بشأن الدين الحكومي الهائل لليابان – نسبة الاقتراض الحكومي إلى الناتج تقارب 230% – والقدرة على سداده، إلى جانب دعوة "تاكايتشي" لإجراء انتخابات مبكرة في الثامن من فبراير.

وحاليًا، تشهد أسواق الصرف الأجنبي حالة ترقب في أعقاب مؤشرات على تنسيق بين طوكيو وواشنطن، يمهد لتدخل مباشر في السوق بصورة مشتركة، ويعزز احتمالية تراجع الدولار على المدى القصير وبالتالي يقدم المزيد من الدعم لأسعار الذهب.
الذهب والفضة..قفزات بلا حدود
في ظل ضبابية المشهد العالمي، انجذب المستثمرون إلى الذهب – الذي لا يدر عائدًا – كملاذ آمن، ليواصل المعدن الارتفاع دون توقف مسجلاً سلسلة من المكاسب القياسية المتتالية، إثر ضعف الدولار وضبابية المشهد العالمي والتغييرات المفاجئة في سياسات "ترامب"، وتداعيات استراتيجية "بيع أمريكا"، والمخاوف من إغلاق حكومي محتمل بنهاية يناير.
ورغم ذلك تشير التوقعات إلى المزيد من الارتفاع، ففي الأسبوع الماضي رفع محللو "جولدمان ساكس" توقعاتهم للأسعار إلى 5400 دولار للأوقية، بينما يرى "مايكل هارتنين" كبير مسؤولي الاستثمار لدى "بنك أوف أمريكا" احتمالية تجاوز الأسعار 6 آلاف دولار.
وفي الوقت نفسه، تشهد أسعار المعادن الصناعية المزيد من الارتفاع بما يشمل البلاتين والبلاديوم والنحاس والفضة التي تدخل في استخدامات صناعية.

متى يتوقف صعود الذهب؟
قد يحدث ذلك في حال ارتفاع قيمة الدولار، أو اتجاه "ترامب" لخفض التعريفات الجمركية، أو ربما التوصل لاتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا، وانحسار التوترات الجيوسياسية بما يشمل مساعي ضم جرينلاند.
ومع ذلك، لا يستطيع أحد تقديم إجابة حاسمة عن هذا السؤال المعقّد أو تحديد إطار زمني لسلسلة المكاسب القياسية للذهب. فالأيام المقبلة وحدها، بما تحمله من تطورات في ملفات الاحتياطي الفيدرالي وجرينلاند وإيران والتعريفات الجمركية وسوق الصرف، هي التي ستحدد وجهة الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة.
المصادر: أرقام – رويترز – ياهو فاينانس – بلومبرج – وول ستريت جورنال – ماركت ووتش
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
