في المشهد الإعلامي المعاصر، لم تعد صناعة المحتوى حكرًا على الترفيه السريع أو التفاعل العابر، بل تحوّلت إلى مساحة تعبير فني وثقافي تعكس تحولات الذائقة العامة وطرق التلقي. وفي هذا السياق، يبرز اسم مؤمن قاسم بوصفه أحد الأسماء التي أعادت طرح فن الخفة والسحر البصري كجزء من خطاب بصري حديث، يجمع بين الأداء الفني، الوعي المجتمعي، وفهم عميق لأدوات الإعلام الرقمي. فن الخفة بين الهامش والمشهد العام لطالما ارتبط فن الخفة في الوعي العام بالعروض المسرحية المحدودة أو الفقرات الترفيهية الثانوية، إلا أن هذا التصنيف بدأ يتغيّر مع انتقال الفن إلى الفضاء الرقمي. مؤمن قاسم كان من بين الأسماء التي ساهمت في هذا التحوّل، من خلال تقديم الخدعة السحرية خارج إطارها التقليدي، وجعلها مادة بصرية قابلة للتداول، والنقاش، والتفاعل الجماهيري. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في الوسيط، بل تطلّب إعادة صياغة كاملة لطريقة العرض، وزمن الخدعة، وطبيعة العلاقة مع الجمهور، وهي عناصر استطاع قاسم التعامل معها بمرونة واضحة. مسار فني قائم على التراكم لا المصادفة تجربة مؤمن قاسم لا يمكن قراءتها بوصفها ظاهرة عابرة أو نتاج انتشار لحظي، بل هي نتيجة مسار طويل من التعلّم والتجربة. فمنذ بداياته، اعتمد على التدريب الذاتي، ودراسة تقنيات الخداع البصري، وفهم آليات الانتباه والإدراك لدى المشاهد. هذا التراكم المعرفي انعكس في أسلوبه، الذي يتسم بالدقة والانضباط، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض الفارغ. كما أن انخراطه المباشر في العروض الحية منحه خبرة ميدانية نادرة، مكّنته من قراءة ردود الفعل اللحظية للجمهور، وتطوير أدائه بناءً على التفاعل الحقيقي، لا الافتراضي فقط. الفصل الواعي بين الفن والغيبيات في مجتمعات تحمل حساسية واضحة تجاه مفهوم “السحر”، اختار مؤمن قاسم أن يقدّم خطابًا واضحًا ومباشرًا، يؤكد فيه أن ما يقدّمه هو فن خداع بصري قائم على المهارة البشرية. هذا الفصل الواعي بين الفن والمعتقدات الغيبية لم يكن مجرد موقف شخصي، بل استراتيجية إعلامية وثقافية ساهمت في توسيع دائرة القبول المجتمعي لفنه. من خلال هذا الطرح، تحوّل السحر من مفهوم ملتبس إلى أداة فنية تُستخدم للإبهار، دون أن تثير جدلًا دينيًا أو أخلاقيًا، وهو ما منح تجربته قدرًا من الاستقرار والاستمرارية. التفاعل كجوهر التجربة ما يميّز تجربة مؤمن قاسم عن كثير من صناع المحتوى في المجال نفسه هو اعتماده على التفاعل بوصفه عنصرًا بنيويًا في العرض. فالجمهور ليس مجرد متلقٍ، بل شريك في التجربة، سواء عبر المشاركة المباشرة في الخدعة أو من خلال ردود الفعل اللحظية. هذا التفاعل يمنح العرض طابعًا حيًا، ويكسر الحاجز التقليدي بين المؤدي والمشاهد، ويخلق حالة من الثقة تجعل الخدعة أكثر تأثيرًا، حتى وإن كانت أدواتها بسيطة. إدارة الصورة في الإعلام الرقمي على مستوى صناعة المحتوى، يظهر وعي مؤمن قاسم بقواعد الإعلام الجديد بشكل لافت. فاختيار الزوايا، مدة المقاطع، وتوقيت النشر، كلها عناصر تخضع لحسابات دقيقة تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية. وفي الوقت نفسه، يحافظ على هوية فنية واضحة، لا تذوب في متطلبات “الترند” أو الاستهلاك السريع. هذا الوعي الإعلامي مكّنه من بناء صورة متماسكة لصانع محتوى محترف، لا يقدّم الخفة بوصفها خدعة منفصلة، بل كجزء من تجربة متكاملة لها سياق وبناء. البعد المعرفي لفنون الخفة رغم الطابع الترفيهي الظاهر، تحمل فنون الخفة بُعدًا معرفيًا عميقًا، يتمثل في كشف حدود الإدراك البشري، وكيف يمكن للعقل أن يُخدع عبر توجيه الانتباه وتغيير التوقعات. في هذا الإطار، تسهم تجربة مؤمن قاسم في إعادة الاعتبار لهذا البعد، حيث تتحول الخدعة إلى سؤال ضمني حول ما نراه، وما نعتقد أنه حقيقة. هذا الطرح يمنح المحتوى قيمة إضافية، تتجاوز لحظة الدهشة إلى مساحة التفكير والتأمل. موقعه في المشهد الثقافي المعاصر مع تزايد الاهتمام بالفنون الأدائية غير التقليدية، يساهم مؤمن قاسم في ترسيخ فن الخفة كجزء من المشهد الثقافي المعاصر، لا كفن هامشي. فحضوره الإعلامي، وتناوله في تقارير صحفية متعددة، يعكس تحوّلًا في نظرة المؤسسات الإعلامية إلى هذا النوع من الفنون. تقدّم تجربة مؤمن قاسم نموذجًا لصانع محتوى استطاع أن يوازن بين الفن والإعلام، وبين المهارة والوعي المجتمعي. فمن خلال خفة اليد، بنى خطابًا بصريًا جديدًا، يقدّم الدهشة بوصفها تجربة إنسانية، لا مجرد خدعة عابرة. وفي زمن يعاني من تشبّع الصورة، يظل هذا النوع من المحتوى قادرًا على جذب الانتباه، حين يُقدَّم بوعي واحتراف.