فتح إطلاق اسم الناقد الدكتور سعد البازعي على شارع رئيسي في محافظة الأحساء، باب التساؤل حول استحقاق المثقفين لإطلاق أسمائهم على الشوارع في مناطقهم، خصوصاً التي حظيت بشيء من اهتمامهم وعنايتهم، إلا أن للأمانات والبلديات معايير وأنظمة تحدد ضوابط الاختيار؛ تفادياً لإشكاليات عدة منها: أيّ الشخصيات أحقّ، ما دفع بعض لجان التسمية للشوارع إلى اختيار أسماء كلاسيكية موغلة في القدم، وليس لها ارتباط بالأماكن والبلدان التي تطلق أسماءها على شوارعها، وهنا جانب من تطلعات المثقفين، وردود أمانات المناطق.
يرى الكاتب علي مغاوي، أنه ليس من مهمات المجتمع أن يخلّد أسماء المؤثرين في ثقافته وآدابه وفنونه، كون مواقع التخليد تحتاج إلى المنصات المكانية، والمواقع الأكثر شهرة وحضوراً واستحضاراً؛ ما يضع التخليد ضمن المهمات الرسمية في وطن الوفاء، موضحاً أنه سبق أن تم إطلاق أسماء أماكن وبلدان وأشخاص لا نكاد نعرفها ولا نعرفهم على مواقع وملتقيات. وعدّ المرحلة مرحلة إكرام لجهود وإنصاف لأدوار المهتمين بالفكر والأدب والفن.
فيما كشف المؤرخ محمد ربيع الغامدي، أنه في عام 1416هـ انتقل إلى حي الفيصلية في جدة، وعقب يوم الاستقرار اكتشف أن مسكنه كان في شارع مطلق مخلد الذيابي، مؤكداً أنه كان سعيداً بذلك، وكأن أمانة مدينة جدة وهبته الشارع بكل ما فيه، مشيراً إلى أن مطلق الذيابي -رحمه الله- كان في حياته ملء الأسماع والأبصار، كونه المذيع الذي يملأ الخريطة الإذاعية برامج ثقافية واسعة الطيف، والشاعر العذب في أشعاره واختياراته، والموسيقار الموهوب صاحب الصوت المشحون شجناً إنْ تحدث وإن غنّى. وأوضح الغامدي أنه شعر بالأسى، وجملة من محبيه عندما انتقل الذيابي إلى رحمة الله، وعندما عثر على شارع باسمه عدّه هدية الأمانة للجميع، وبادر بالتواصل معهم للشكر وتثمين المبادرة. وأضاف: تذكرت ذلك عندما سمعت عن مبادرة تسمية الشوارع بأسماء أدباء الوطن ومثقفيه، والفكرة وجدت طريقها للتنفيذ من أعوام مضت، إلا أنها الآن تكتسب زخماً كبيراً يستمد حيويته من واقعنا الثقافي الجديد الذي رسمته منطلقات الرؤية المباركة، وطموحات القيادة، وآمال «شعب طويق» العظيم في سبيل سعودية عالمية عظمى. وعدّ مبادرة التسمية أرفع من مبادرة الجوائز، كونها جائزة الجوائز، لبقاء أثرها امتناناً في قلب الأديب حياً، وطمأنينة له قبل الموت، وأثراً خالداً عقب رحيله، كما هو أثرها على أسرته وعلى عموم محبيه.
وأكد الدكتور أحمد بن محمد الحميد، أنّ إطلاق اسم شخص ما على شارع، يُخاطب به عارفو فضله، فهناك أسماء تاريخية أو اعتبارية يسمى بها الشارع أو المنشأة، فيكون هذا استحقاقاً فرضه وزن تلك الشخصية تاريخياً واعتبارياً، موضحاً أنّ التسمية إما أن تكون في حياة الأديب وإما عقب مماته، فإن كانت في حياته كانت مدعاة إلى الفخر بما له من التقدير والوفاء، وإنْ عقب وفاته فهو تكريم لذويه، واعتذار معنوي لا يبلغ الراحل.
وعدّ الحميد تسمية الشارع باسم أديب له جهود معتبرة لتقدير الرموز الثقافية والأدبية، وإشعار قرابته وذويه بقيمة الشخصية التي تنتمي لهم وينتمون إليها. وتطلع إلى أن يقام للتسمية احتفالية ويثبّت في أول الشارع لوح حجري يعرّف الأجيال بالرجل الذي سُمي به الشارع وجهوده.
فيما عدّ الناقد الدكتور محمد الدبيسي، تسمية الشوارع بأسماء العلماء والأدباء والمثقفين، فعلاً ثقافياً واعياً وثيق الصلة بالهوية والذاكرة، ويُظهِر إدراك القائمين لقيمة من صنعوا تاريخاً لمدينتهم، وأسهموا في بناء كيانها العلمي والأدبي والاجتماعي، وصنعوا هويتها. ويراه الدبيسي إقراراً بجهود رجال أفنوا أعمارهم في خدمة العلم، والفكر، والإدارة، والصحافة، والتعليم، وأسهموا في تشكيل الوعي الوطني، وتركوا أثراً واضحاً في مسيرة المدينة الحديثة، لا سيما في العهد السعودي. ولفت إلى ما في التسمية بالأدباء من ترسيخ الذاكرة الوطنية، وربط الحاضر بالماضي القريب، وإبراز البعد الثقافي البصري في الفضاء العام. وذهب إلى أنه وسيلة تعليمية صامتة، تستدعي في ذهن المواطن والزائر سيرة «العَلَم» وإسهامه، وتغذّي المخزون الثقافي للأجيال، وتمنح المكان شخصية واضحة المعالم، تُعرف برجالها كما تُعرف بمعالمها العمرانية.
ويرى الدبيسي أن معايير التسمية في بعض المناطق عائمة، وفيها قدر كبير من العمومية، وغاب عنها التحقيق والفرز والعِلميَّة التي كانت أولى بأن تُعتمد وتُلتزم في اختيار الأسماء، وعدم الارتهان للأسماء ذات الشهرة العارضة، أو كثرة التداول.
وتطلّع الدبيسي إلى معايير تقوم على وضوح إسهام تلك الأسماء، وأثرها المباشر على التعليم، والعلم الشرعي، والصحافة، والفكر، والعمل الاجتماعي والاقتصادي، ومن عاشوا في المنطقة، وعملوا من أجلها، وارتبطت أسماؤهم بمؤسساتها ونهضتها.
ولفت إلى أن أمير منطقة المدينة المنورة سابقاً الأمير فيصل بن سلمان، وجَّه بإطلاق اسم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على أحد الشوارع الرئيسة المهمة في المدينة المنورة.
وعن زيادة أعداد الشوارع التي تضم أسماء عدة من المثقفين والأدباء، فيؤكد على أن تقترن بحسن الترتيب، والانسجام بين الاسم والمكان، لتكوين فضاء له دلالة رمزية واضحة، ومن شأنه حفظ رمزية إسهام رجال صنعوا تاريخاً، وإحياء لذِكْرهم، وتغذية الذاكرة الجمعية بشواهد حية، وتأسيس لثقافة بصرية واعية.
فيما عدّ الناقد الدكتور سعد بن سعيد الرفاعي، تسمية الشوارع والميادين بأسماء الأعلام من الأدباء والمثقفين والمفكرين سلوكاً حياتياً وعملاً حضارياً، لما فيه من تكريم للأديب أو المثقف من جهة، وتحفيز للأجيال القادمة للسير على نهجهم وخطاهم، وتمثُّل قصص نجاحاتهم وعطاءاتهم.
وتطلّع إلى إضافة تعريف بالأديب أو المثقف من خلال «كود» يوضع أسفل اللوحة التي تحمل اسمه، وتسهل التعرف على سيرته لمن رغب فيها، بتدوين سطر موجز بخط صغير أسفل الاسم للتعريف به، لتغدو لوحات الأسماء جزءاً من الإثراء الثقافي.
وثمّن الرفاعي لوزارة البلديات تشكيل لجان لتسمية الشوارع والميادين في المناطق والمحافظات منذ 2014. ودعا إلى تفعيل اللجان التي يتعين أن يكون أعضاؤها من المحيطين بالثقافة والتاريخ والشأن العام، لترشيح الأسماء التي ترقى إلى مستوى التمثيل ودرجة الإنجاز، سواء من الناحية القيمية، أو الفكرية، أو الانتماء الوطني، أو تميز الإنجاز والتأثير وثرائه.
وعبّر عن أسفه لتسمية بعض الشوارع بأسماء غريبة، مبدياً تحفظه على ترشيح أسماء لا تملك منجزاً ولم تقدم عطاءً، عدا حظوتها بالمحاباة والمجاملة أو المعرفة الشخصية.
أمانات المدينة وعسير والأحساء: المعايير أولاً.. وتوجيه الوزارة ثانياً
أوضحت أمانة منطقة المدينة المنورة، أن تسمية الطرق في المدينة المنورة تخضع لإجراءات وتعليمات معتمدة ومعايير محددة من قبل وزارة البلديات والإسكان؛ من أبرزها عرض الطريق وأهميته.
من جهته، أكد أمين محافظة الأحساء المهندس عصام عبداللطيف الملا، أن التسمية ترتبط بلجنة خاصة في المحافظة، موضحاً أن إطلاق أسماء بعض الشخصيات على الشوارع، يأتي بتوجيهات مباشرة، إما من الدولة ومنهم شهداء الواجب، أو من وزارة البلديات بالشراكة مع وزارات عدة، لافتاً إلى أن المبادرات اليوم ترتبط بالأدباء الأحياء المنتمين بالولادة أو العيش والسكنى في المنطقة أو المحافظة أو المدينة، مضيفاً أن مسار التسمية يبدأ بالترشيح، ثم الموافقة، ثم اختيار الشارع المناسب لاسم الأديب، ثم الاعتماد من الإمارة أو المحافظة، والتنفيذ من القطاع البلدي.
وأوضح نائب أمين منطقة عسير الدكتور أحمد الفيفي، أنّ
التسمية في الأمانة تتم عموماً بأسماء الأدباء والمثقفين متى ما استوفت الضوابط والإجراءات المعتمدة، مشيراً إلى أن عملية التسمية بناء على طلبات تقدم من الجهات المختصة ذات العلاقة، وتُدرس وفق الأنظمة والمعايير المعمول بها قبل اعتمادها وتنفيذها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
