هل حقاً نحن ننبذ التطيّر ولا نؤمن به، أم أن التطيّر هو مَن لا ينبذنا ويؤمن بنا؟ حسناً، فإن كان التطير وهماً، إذاً لماذا يلاحقنا كالظلّ العنيد، بينما نحن مَن نمنحه المعنى الأكيد؟ فهل فعلاً نخافه أم أننا نخاف ما فينا؟
لاعليكم، فربما لا يؤمن أحدٌ بأحد، لكن الخوف حين يسكن العقل يتحوّل إلى إيمانٍ أعمى، نخشاه ثم لا يخشانا! وبالتالي يصنع من الصدفة قدراً، ومن الوهم واقعاً مراً.
الكابوس الثالث عشر، أم الثلاثة عشر كابوساً؟ هكذا قضى أرنولد شونبرغ حياته رعباً وتطيراً وعُبوساً، وربما خزياً ووخزاً ولا بأس إن قلنا إنه عاشها إبرةً ودبوساً إلى أن مات على فراشه مُقيداً ومكبلاً ومحبوساً، بسلسلة أفكارٍ كان بها منحوساً ومهووساً وملبوساً، حيث عاش خائفاً من هذا الرقم، حد التلوث والهتك والعقم! حتى مات في 13/يوليو/1951 بلا مرضٍ أو سقم!
كان هذا الموسيقار النمساوي اليهودي الاحترازي، مَن حارب الفكر الانحيازي والعنصري والانتهازي، بشكلٍ بغيض ومغيظ بلحنٍ استفزازي، ولذلك تعرّض للتنكيل والاضطهاد النازي فدخلت موسيقاه القائمة الممنوعة، للفنون الفاسدة غير المسموعة، وغادرت أحلامه الموجوعة، بعدما طُرد من الجامعة والمجموعة، في قسم الدراسات الموسيقية والتأليف. وبالرغم من شدة الحصار والنزيف، أبى أن يصبح حيوان النازية الأليف، فهاجر إلى أمريكا ليسترجع هويته، وعكفت ألحانه على وصف يهوديته باعتباره تقياً شديد الإيمان، وعازفاً محترفاً على الكمان، كما علَّم نفسه بنفسه فن التصوير، واتخذ من الفوتوغرافيا أداة للتطوير، خاصة بعد ظهور لوحة «الصرخة» للفنان إدوارد مونش وتأثره البالغ بها، وبالتالي لم يستقر مع الموسيقى في عقر «قلبها»، والغريب أنه كان يرسم وجهه غالباً من المرآة، ولم يتخيل ذاته قط في جسد امرأة، لوحاته تشع بأقسى درجات الإحباط والمرارة، وببرودة العواطف عند ارتفاع الحرارة، وتميزت ألحانه بالنحيب الداخلي، وربما بعض التلوث العقلي، فلا شك أنه دفع ضريبة العنصرية النازية من دمه، ولهذا تحدّث عن جميع آلامه بعيداً عن فمه، نحيباً موسيقياً مستديماً، وعذاباً متجدداً وقديماً، ورسوماً تراجيدية، مليئة بالسخرية، تتبع أقطاب المدرسة التعبيرية الألمانية، وتمثل أعماله أشد أنواع الانطواء الجذري، والانزواء القدري، كمعجزةٍ أيقظت القبور، بوصف ألم المقهور، لتبقى الحقيقة أن الإنسان ليس مسؤولاً عن تحديد ملامحه منذ نشأته، ولكنه حتماً المسؤول عن تشويهها بحفر أخاديد الدموع ضد مشيئته.
من أعماله: Peripetie
التاريخ: 1874 – 1951 76 سنة
الاسـم: أرنولد شونبرغ
الجنسية: نمساوي
النشاط: موسيقي
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
