اقتصاد / ارقام

في سوق الأسهم .. الاختيار الصحيح وحده لا يكفي

  • 1/6
  • 2/6
  • 3/6
  • 4/6
  • 5/6
  • 6/6

في منتصف يونيو من عام 1815، كان الإمبراطور الفرنسي "نابليون بونابرت" يستعد لمعركة حاسمة على تخوم بروكسل الجنوبية، في بلدة واترلو، بعدما حقق تقدمًا سريعًا على امتداد خطوط العدو، حيث يتطلع إلى إعادة ترسيخ حكمه بعد عودته من منفاه قبل أشهر قليلة.

 

 

كان "نابليون" قد جمع جيشًا جرارًا بالفعل وقسمه على عدة جبهات، وتبنى تكتيكًا يعتمد بشكل أساسي على الاستخدام الكثيف والسريع للمدفعية من أجل اختراق خطوط العدو، الذي تفاجأ بالفعل بالتقدم السريع للفرنسيين.

 

مضى كل شيء على نحو جيد في البداية بالنسبة لـ "نابليون" الطامح في استعادة السيطرة على أوروبا مرة أخرى، والانتقام من أعدائه الذين أطاحوا بحكمه أول مرة، وشكلوا تحالفًا إبان عودته يضم روسيا وبريطانيا والنمسا وهولندا وبروسيا وآخرين.

 

وبعدما تمركز قرب واترلو، خطط "نابليون" لشن هجومه مع ساعات الصباح الأولى من يوم الثامن عشر من يونيو على القوات الإنجليزية بقيادة دوق ولنجتون، ليحقق انتصارًا خاطفًا قبل وصول القوات البروسية، لكن "ليس كل ما يتمناه الإمبراطور يدركه".

 

لسوء حظه، هطلت الأمطار وتوحلت الأرض، ما من شأنه تعطيل حركة المدافع وحتى تقليل تأثيرها، فاضطر "نابليون" إلى تأجيل هجومه بضع ساعات، وهذا التأخير منح قوات دوق ولنجتون الوقت الكافي للتمركز بشكل صحيح، وفي وصلت القوات البروسية قبل نهاية المعركة.

 

مع التحام الجيشين الحليفين، تداعت خطوط جيش "نابليون" وسقط أمام أعينه نخبة جنود وضباط قوات الحرس الإمبراطوري، ومني بهزيمة ساحقة، ليفر إلى باريس خائبًا بعدما تبخرت أحلامه وانهار ملكه، قبل أن يُرسل إلى منفاه الأخير وتتغير خريطة أوروبا للأبد.

 

 

إن التوقيت كما هو عنصر حاسم في المعارك التي غيرت مجرى التاريخ، قد يكون حاسمًا في سوق الأسهم، وفي بعض الحالات يكون هو الحد الفاصل بين نجاح استثنائي وانهيار تام، وما حصل في واترلو يذكرنا أن كل شيء يمكن أن يتوقف على لحظة واحدة.

 

كيف يفصل بين النجاح والإخفاق؟

 

- تُوضح دراسات الحالة في سوق الأسهم الأمريكية، أن اختيارات الاستثمار الصحيحة من الناحية الأساسية قد تشهد انخفاضًا مدمرًا للقيمة، مما يتطلب أفقًا زمنيًا يمتد لسنوات عديدة، وبالطبع قوة إرادة وصبر استثنائيين لتعويض الخسارة وتحقيق المكاسب المستهدفة.

 

- إن تخارج مستثمرين بارزين، مثل خروج "بيل أكمان" من "نتفليكس"، لهو دليل قوي على الخسائر النفسية والمالية الناجمة عن سوء اختيار التوقيت لدخول السوق، مما يُؤكد الحكمة الراسخة القائلة إن "الاستثمار طويل الأجل في السوق أفضل من محاولة توقع توقيت السوق".

 

- عادة ما تبنى الاختيارات الصحيحة، بعيدًا عن التحيزات الشخصية، استنادًا إلى التقييم الدقيق للقيمة الجوهرية للشركة وإمكاناتها طويلة الأجل للنمو، وفي المقابل، هناك من يركز على محاولة "توقع توقيت السوق" في محاولة للتنبؤ بتحركات الأسعار قصيرة الأجل.

 

- لكن الأمر ليس من السهولة في شيء حتى لمديري المحافظ المتمرسين، وأبرز عواقب سوء التوقيت هي الفجوة بين العوائد الفعلية للاستثمار وما حققه المستثمر منه، ويعزى ذلك إلى شراء الأصول بأسعار مرتفعة وبيعها بأسعار منخفضة، وهو سلوك يكلف المستثمرين 4% من العوائد الضائعة سنويًا، بحسب "دالبار".

 

 

كيف يكافئ التوقيت الجيد؟

 

- تمثل رحلة "أمازون" خلال فقاعة الإنترنت مثالًا صارخًا على تعرّض استثمار صحيح من الناحية الأساسية لاختبار قاسٍ بسبب سوء التوقيت بالنسبة لبعض المستثمرين، ومكافأة ثمينة للتوقيت المثالي.

 

- عانى سهم "أمازون" من تراجع كارثي منذ بلغ ذروته في عام 1999 إلى أن سجل أدنى مستوى له على الإطلاق عام 2001، وبالتالي فإن المستثمر الذي كان مُصيبًا في توقعاته لمستقبل الشركة ولكنه دخل السوق عند ذروة الارتفاع، خسر كامل استثماره تقريبًا.

 

- لكن على الرغم من التصحيح الحاد، تجاوز سعر السهم في نهاية المطاف أعلى مستويات عام 1999 بحلول عام 2009، مما يُثبت صحة التوقعات في نهاية المطاف.

 

 

نموذج زمني لحالات الدخول إلى سهم أمازون

التوقيت

سعر الدخول

السعر يوم

(21 يناير 2026)

العائد الإجمالي

أقصى انخفاض خلال الفترة

مدة التعافي إلى التعادل

ذروة

(ديسمبر 1999)

5.33 دولار

231.30 دولار

%4240

%94.4

10 سنوات

(حتى 2009)

قاع

(أكتوبر 2001)

0.30

231.30 دولار

%77460

%0

--

 

- تُسلّط فترة التعافي التي امتدت لعشر سنوات الضوء على العبء النفسي والمالي لسوء التوقيت، حيث كان معظم المستثمرين سيستسلمون قبل الوصول إلى نقطة التعادل بفترة طويلة، مما سيحوّل استثمارًا صحيحًا من الناحية الأساسية إلى خسارة مُحققة.

 

- كلا السيناريوهين حققا في النهاية عوائد غيرت حياة المستثمرين، مما يثبت أن صحة القرار كانت أهم من دقة التوقيت، شريطة أن يتحمل المستثمر الانتظار لعقد من الزمن.

 

 

كيف يهزم المستثمرين الكبار؟

 

- في مثال أقرب، كان انهيار سهم "نتفليكس" عام 2022 كاشفًا عن كيفية استسلام المستثمرين (حتى الكبار منهم) لضغوط سوء التوقيت والتحيزات السلوكية.

 

- بعد ذروته في نوفمبر 2021، انخفض السهم 75% إلى قاع متدن في العام التالي، لكن قبل نهاية المسار الهابط، كشف الملياردير "بيل أكمان"، عن استحواذه على حصة بقيمة 1.1 مليار دولار في الشركة أواخر يناير 2022.

 

 

نموذج زمني لحالات الدخول إلى سهم نتفليكس

التوقيت

سعر الدخول

السعر يوم

(21 يناير 2026)

النتيجة

الدخول عند الذروة

(نوفمبر 2021)

700 دولار*

85.36 دولار

مكسب بنسبة 22%

الدخول عند القاع

(مايو 2022)

170 دولارًا

85.36 دولار

مكسب بنسبة 400%

دخول بيل أكمان

(يناير 2022)

385 دولارًا

85.36 دولار

خسارة قدرها 435 مليون دولار

خروج بيل أكمان

(أبريل 2022)

200 دولار

85.36 دولار

البيع بخسارة بنسبة 48%

*أسعار الدخول المشار إليها على أساس ما قبل التجزئة بنسبة 1 إلى 10.

 

- جاء استحواذ "أكمان" بعدما شهد السهم تصحيحًا كبيرًا بالفعل، لكن ما لم يتوقعه المستثمر المخضرم عند هذه المرحلة أن الهبوط الموجع لم ينتهِ، فبعد ثلاثة أشهر فقط، انخفض السهم بشكل حادّ عقب تقرير أرباح مخيب للتوقعات، فسارع  إلى تصفية كامل حصته.

 

- كان قرار "أكمان" مثالًا كلاسيكيًا على سوء التوقيت، حيث استثمر في سهمٍ متراجعٍ بشكل حاد، ثم انسحب عند أدنى مستوياته، ليؤكد أن حتى المستثمرين المحترفين ليسوا بمنأى عن الألم الناتج عن انخفاضات الأسعار.

 

- شهد انهيار السهم عام 2022 خروجًا جماعيًا للمؤسسات الاستثمارية، فيما حافظ آخرون، مثل "فانجارد" و"بلاك روك" (مستثمرون سلبيون)، على مراكزهم، واستفادوا بشكل كبير من الانتعاش اللاحق.

 

- يُبرز هذا ميزة النهج السلبي طويل الأجل الذي يُحصّن الاستثمارات تحت ضغوط التوقيت السلوكية، في المقابل، مثّل خروج "أكمان" والآخرين نقطة تحوّل مثالية، إذ تعافى السهم بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين.

 

 

إلى أي مدى يكون التوقع صعبًا؟

 

- تُظهر التقلبات التي شهدها سهم "تسلا"، لا سيما الانخفاض الحاد بنسبة بين عامي 2021 و2023، دور الثبات السلوكي في تحقيق مكاسب من الاستثمار الصحيح، وتعكس في نفس الوقت كيف يكون توقع السوق أكثر صعوبة في بعض الحالات شديدة التقلب.

 

 

نموذج زمني لحالات الدخول إلى سهم تسلا

التوقيت

سعر الدخول

السعر يوم

(21 يناير 2026)

العائد الإجمالي

أقصى انخفاض خلال الفترة

قاع 2019

 

12 دولارًا

431.20

%3493

--

ذروة 2021

410 دولارات

431.20

%5.0

%73.4

قاع

109 دولارات

431.20

%296

--

                   

- إن المستثمر الذي اشترى السهم عند ذروة 2021 واحتفظ به حتى أوائل عام 2026 لم يحقق سوى ربح متواضع على الرغم من النمو الأساسي المستمر للشركة.

 

- في المقابل، فإن المستثمر "مايكل بَري"، باع السهم على المكشوف في عام 2021، وهو رهان صحيح من الناحية الأساسية بسبب المبالغة في التقييم، لكن السهم ارتفع وأجبره على إغلاق مركزه (على الأرجح بخسارة)، قبل الانخفاض الكبير بين عامي 2022 و2023.

 

- يُظهر هذا أن صحة التوقعات بشأن المبالغة في التقييم لا تكفي؛ فتوقيت التقلبات غير المنطقية لا يمكن التنبؤ به، وعلى الجهة الأخرى كانت ثقافة الاحتفاظ والثبات السلوكي مفتاحًا لتحقيق المكاسب طويلة الأجل بفضل استراتيجية الاستثمار الصحيحة.

 

 

ليس كل شيء.. لكنه يغير كل شيء

 

- إن كانت هذه الحالات تعكس كيف يمكن للتوقيت السيئ تدمير الثروة، فإنها تؤكد أيضًا أن الصبر يربيها، وأنه يمكن لاختيار صحيح الصمود أمام انهيار بنسبة 94% ويحقق عائدًا تراكميًا بنسبة آلاف في المئة.

 

- أيضًا يمكن لاستثمار سليم من الناحية الأساسية، لكن عند ذروة السعر، أن يحقق عائدًا شبه معدوم بعد سنوات من الاحتفاظ به، وذلك بسبب التقلبات الشديدة التي كان من الممكن تجنبها لو دخل المستثمر في توقيت أفضل.

 

- هذه ليست دعوة لملاحقة القمم والقيعان، بل تذكير بأن القرار الصحيح لا ينجح بمنأى عما يحدث حوله، فالتوقيت، قادر على تضخيم الألم أو تسريع المكافأة، وكما حسمت ساعات قليلة مصير إمبراطورية كاملة، تظل واترلو ًا على أن التوقيت قد لا يصنع القرار لكنه كثيرًا ما يحدد النتيجة.

 

المصادر: أرقام- بلاك روك- دراسة بعنوان " The Alpha of a Market Timer"- مدونة كيتس- بلومبرج- ماركت ووتش- ماكروتريندس- رويترز- بزنس إنسايدر- بارشارت- مانوس- شات جي بي تي

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة ارقام ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من ارقام ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا