لم يكن اليُتم في حياة الملازم أول ضحى أحمد، مجرد فقدٍ مبكر، بل اختبارٌ قاسٍ شكّل ملامح قوتها، بين أسئلة الطفولة الصامتة ونظرات المجتمع، شقّت طريقها وحدها، حتى وقفت يوماً بزيّها العسكري في الصفوف الأولى، لا ضحية للأحوال، بل قائدة صنعت من الألم رسالة، ومن الفقد وطناً تخدمه.لم تكن الضابط تعرف أن أول خسارة في حياتها ستكون أول درس.وُلدت يتيمة، وكبرت وهي تتعلم باكراً أن بعض الأسئلة لا إجابات لها: أين أمي؟ أين أبي؟ ولماذا أنا هنا وحدي؟ لم تكن تسأل بصوت عالٍ، لكنها كانت تعيش هذه الأسئلة كل يوم، في صمتها وابتسامتها الصغيرة أمام العالم.عاشت ضحى، مع أخواتها من دون والدين، لكن من دون شعور بالفقد، كنّ بيتاً صغيراً متماسكاً، يضمد بعضه بعضاً، لم يكن النقص واضحاً، إلى أن خرجت إلى العالم، حيث اكتشفت أن المجتمع أحياناً يرى ما لا وجود له، ويتجاهل ما هو حاضر وواقعي.في المدرسة، تغيّرت نبرة كلمة «يتيمة» لم تعد توصيفاً عابراً، بل نظرة، وهمسة، وسؤالاً جارحاً بلا صوت، شعرت ضحى للمرة الأولى أن عليها أن تدافع عن نفسها، ليس بالكلام، بل بالفعل. طريق مختلف اختارت طريقاً مختلفاً لم تصرخ، لكنها رفعت صوتها، كانت الإذاعة المدرسية أول مساحة وقفت فيها بثبات ترفع يدها، تقرأ القرآن بوضوح، وكأنها تقول للعالم: «أنا هنا»..لم تكن تبحث عن تصفيق، بل عن يقين داخلي بأن اليُتم لا يعني الغياب عن الضوء. تقول ضحى «كان يكفيني أن أتذكر أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتيماً، فاستمددت قوتي منه». أسئلة صامتة كبرت، ودخلت الجامعة، وكبرت الأسئلة معها من أين أنتِ؟ أين أسرتك؟ كيف تعيشين بلا أم؟ أسئلة صامتة تُطرح ببرود لكنها تخترق القلب، تقول ضحى: الألم كان حاضراً، لكن الانكسار لم يكن خياراً، تخرجت، وتزوجت بعد عام، حاملة حلماً يسيراً: بناء حياة تشبه الأمان الذي افتقدته. الابن الأول ثم جاء يونس، ابنها الأول قلبها الصغير، ومعناه الجديد للحياة كانت الفرحة مكتملة، حتى جاء اتصال واحد غيّر كل شيء، خبر وفاة زوجها في حادث. جلست ضحى في صمت، تصرخ في داخلها: لا يا إلهي ليس يونس، لا أريده أن يعيش ما عشته.لم يكن الحزن وحده القاسي، بل الفكرة التي سقطت عليها دفعة واحدة: ابني سيكبر يتيماً، كما كبرت أنا.في تلك اللحظة، لم يكن أمام ضحى سوى خيار واحد: أن تقف. البحث عن بداية تقول «كنت أعرف أن طفلي ينظر إليّ، وضعفي سيصبح ضعفه». جمعت نفسها، ومضت تبحث عن بداية، عن طريق يعيد لها الإحساس بالقوة.وجاء الاقتراح بالالتحاق بالمجال العسكري كمن يفتح نافذة في غرفة مغلقة تقدمت إلى شرطة دبي، وحين جاء القبول، شعرت أن الحياة تمنحها فرصة أخيرة.في 28 ديسمبر 2014، دخلت «أكاديمية شرطة دبي» أمٌّ تحمل حقيبة تدريب، وطموحاً أثقل من التعب، راقبت المدربين، حفظت التفاصيل، تعلمت الصمت قبل الأمر لم يمضِ وقت طويل حتى وُضعت في موقع القيادة.صار صوتها يُسمع، وخطوتها تُراقَب وكلما أعطت أمراً، كانت تسمع صوت يونس في داخلها يناديها: أمي كوني قوية.تفوقت، وتخرجت بامتياز، ثم أصبحت مدربة، لم تكن الرتبة غاية، بل مسؤولية، أن تصنع القوة في الآخرين، لأنها تعرف تماماً كيف يُولد الضعف.يونس لم يكن بعيداً من المشهد، شارك في دورة عسكرية للأطفال، وقف يؤدي الحركات بثقة.وفي لحظة مؤثرة، طُلب منه أداء القسم، وقفت ضحى تراقبه، أمّاً ترى تاريخها كله يمر أمامها في جسد طفلها.من الميدان إلى الإشراف، أصبحت أول من يستقبل المتدربين لا تبدأ بالقسوة، بل بالفهم وتقول إن أكثر ما يلامسها أن تسمع يوماً «أنتِ من جعلتنا أقوياء».بدعم شرطة دبي، عادت إلى مقاعد الدراسة، ونالت عام 2017 درجة الماجستير في العلاقات العامة والاتصال المؤسسي بتقدير امتياز. ثم تزوجت مرة أخرى، ليشعر ابنها بالأمان، ورُزقت بطفلتين، لتكتمل الدائرة التي طال انتظارها.وخلال هذه المرحلة تسعى لتحضير الدكتوراه..تنظر ضحى إلى حياتها وتعرف أن اليُتم لم يكن النهاية، بل البداية والعسكرية لم تغيّرها، بل كشفتها وأقسى ما في الرحلة لم يكن الفقد، بل أن تنهض في كل مرة وكأنك لم تسقط.وتختم بهدوء يشبه الانتصار«تعلمت أن القوة لا تُورث... بل تُصنع».