يشهد العالم في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تسارعاً غير مسبوق في وتيرة التطور العلمي والتكنولوجي، بحيث لم تعد العلوم مجرد محرك للتقدم الاقتصادي، بل أصبحت عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل موازين القوة، وأنماط الحياة، ومستقبل البشرية نفسها. التقنيات المتقدمة اليوم لا تغيّر ما ننتجه فقط، بل تغيّر كيف نفكر، وكيف نعمل، وكيف نتفاعل مع الطبيعة والكون. تشير تقارير كبرى صادرة عن مؤسسات بحثية عالمية مثل شركة «ماكينزي»، ودراسات مستقبلية منشورة في مجلة «نيتشر»، إضافة إلى تقرير منظمة حلف شمال الأطلسي- مكتب العلوم والتكنولوجيا (NATO STO)، إلى أن العقود القادمة ستشهد تداخلاً عميقاً بين الذكاء الاصطناعي، والطاقة، والعلوم المتقدمة، والفضاء، في ظل منافسة جيوسياسية محتدمة على قيادة الابتكار. قلب الثورة التكنولوجيةيؤكد تقرير «نظرة ماكينزي لاتجاهات التكنولوجيا 2025» أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية واعدة، بل أصبح العمود الفقري لمعظم الابتكارات الحديثة. فهذه التكنولوجيا تؤدي دوراً مضاعفاً، حيث تُسرّع التقدم في مجالات أخرى مثل الروبوتات، والطاقة، والطب، والعلوم الحيوية.ويبرز هذا العام مفهوم الذكاء الاصطناعي التوكيلي (Agentic AI)، وهو نمط جديد من الأنظمة الذكية القادرة على التخطيط والتنفيذ الذاتي لسلاسل طويلة من المهام، بما يشبه «موظفين افتراضيين» يعملون باستقلالية. وعلى الرغم من أن حجم الاستثمارات فيه لا يزال أقل من الذكاء الاصطناعي التقليدي، فإنه يُعد من أسرع الاتجاهات نمواً وفق مؤشرات الاهتمام والبحث ورأس المال الجريء.وتذهب توقعات مستقبلية، نقلها الكاتب العلمي ديفيد آدم في مقال «العلوم في عام 2025»، إلى أن العالم قد يشهد بحلول منتصف القرن ظهور الذكاء الاصطناعي العام، القادر على إجراء أبحاث علمية كاملة دون تدخل بشري مباشر، بل وربما التفوق على العلماء في مجالات معقدة مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء. سباق العقول والرقائقإحدى أبرز نتائج الطفرة في الذكاء الاصطناعي هو الارتفاع الهائل في الطلب على القدرة الحاسوبية. ويشير تقرير «ماكينزي» إلى طفرة في أشباه الموصلات المتخصصة، مدفوعة بالحاجة إلى شرائح أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأقل توليداً للحرارة، وقادرة على التعامل مع نماذج لغوية ضخمة وحسابات معقدة.وتُظهر البيانات أن عدد براءات الاختراع في هذا المجال شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مع دخول لاعبين جدد وتشكّل منظومات صناعية كاملة حول الرقائق المتقدمة.وفي المدى الأبعد، تبرز التقنيات الكمية كأحد أكثر المجالات الواعدة. فوفق تقرير الناتو للفترة 2025–2045، قد تُحدث الحوسبة الكمية تحولاً جذرياً في التشفير، والأمن السيبراني، واكتشاف المواد، ونمذجة الظواهر الفيزيائية المعقدة. وعلى الرغم من أن التطبيقات التجارية لا تزال محدودة، فإن الدول الكبرى تنظر إلى التفوق الكمي كمسألة أمن قومي وسيادة تكنولوجية. الروبوتات والأنظمة الذاتيةتشير تقارير «ماكينزي» وحلف شمال الأطلسي إلى أن الروبوتات والأنظمة الذاتية دخلت مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التجارب المحدودة إلى الاستخدام الواسع. هذه الأنظمة لم تعد تقتصر على تنفيذ أوامر محددة؛ بل باتت قادرة على التعلم والتكيف والتعاون مع البشر.وفي قطاعات مثل اللوجستيات، والرعاية الصحية، والصناعة، والدفاع، يتزايد الاعتماد على الروبوتات الذكية والوكلاء الرقميين. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتطلب نحو 50 % من وظائف سلاسل الإمداد والتكنولوجيا بحلول عام 2035، مهارات رقمية وتحليلية متقدمة، ما يعكس تحوّل دور الإنسان من منفذ مباشر إلى مشرف وصانع قرار. التكنولوجيا بين الخطر والحلفي الجانب البيئي، ترسم الدراسات العلمية صورة مزدوجة. فبحسب باحثين في معهد «ماكس بلانك» للأرصاد الجوية، قد يتجاوز العالم عتبة درجتين مئويتين من الاحتباس الحراري العالمي قبل عام 2040، مع مخاطر متزايدة على الأمن الغذائي والمائي.لكن في المقابل، تفتح التكنولوجيا آفاقاً جديدة للحل؛ إذ تشير تحليلات مستقبلية إلى أن تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء قد تتحول إلى نشاط اقتصادي مربح، عبر تحويل الكربون إلى وقود ومواد صناعية وأدوية. كما أن الاندماج النووي، الذي وصفه علماء بأنه حقق تقدماً في آخر خمس سنوات يفوق ما تحقق في الخمسين عاماً السابقة، قد يصبح بحلول عام 2050 مصدراً عملياً للطاقة النظيفة، منهياً جدلاً طويلاً حول جدواه. ما بعد حدود الأرضبحسب تقرير الناتو، فإن الفضاء سيتحوّل خلال العقدين المقبلين إلى مجال استراتيجي متكامل، يشمل الاتصالات، والملاحة، والاستشعار، وربما التعدين الفضائي. وتتنافس وكالات الفضاء والشركات الخاصة على وضع موطئ قدم دائم للبشر خارج الأرض. وفي الوقت نفسه، تشهد العلوم الحيوية طفرة هائلة بفضل الهندسة الوراثية والبيولوجيا التركيبية، مع آمال كبيرة في القضاء على أمراض مزمنة، وتطوير طب دقيق يعتمد على الجينات والبيانات الضخمة. الجغرافيا السياسيةتجمع التقارير الدولية على أن مستقبل التكنولوجيا لن يتحدد بالابتكار وحده؛ بل أيضاً بالسياسات والحوكمة. فالدول تسعى اليوم إلى بناء بنى تحتية سيادية في الذكاء الاصطناعي والبيانات والرقائق، لتقليل الاعتماد على الخارج.وتُظهر بيانات «ماكينزي» أن الاستثمارات في التقنيات المتقدمة تعافت في عام 2024 بعد تراجع في عام 2023، مع تصدّر تقنيات الطاقة المستدامة والتنقل المستقبلي، ما يعكس ارتباط الابتكار بالأمن الاقتصادي والاستراتيجي.