كتبت - مروة الغول الإثنين، 02 فبراير 2026 06:30 ص تحتوي على36.1 مليون طن معادن أرضية نادرة..بها 37 معدن تصنفها الولايات المتحدة كمعادن حرجة..أهمية استراتيجية في مراقبة الممرات البحرية قد تصبح مستقبلا طرقا لتجارة النفط..إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وسلاسل الإمدادات العالمية تكتسب جزيرة جرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، أهمية متزايدة في أسواق الطاقة العالمية بفضل ما تزخر به من كميات كبيرة جداً من المعادن الأرضية النادرة والاستراتيجية، مثل الجرافيت والنحاس والنيكل والزنك والكوبالت اللازمة لتقنيات تحولات الطاقة، بما في ذلك بطاريات الليثيوم أيون والألواح الشمسية الكهروضوئية وتوربينات الرياح وشبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية. ووفقا لدراسة "جزيرة جرينلاندبين الموارد الاستراتيجية والتحولات الجيوسياسية فى أسواق الطاقة" لمنظمة الدول العربية المصدرة للبترول "أوابك "،تشير تقديرات المسح الجيولوجي الدنماركي إلى أن جزيرة جرينلاند تحتوي على 36.1 مليون طن من المعادن الأرضية النادرة والاستراتيجية في حين تقدر وكالة المسح الجيولوجي الأميركية أن نحو 1.5 مليون طن منها قابلة للاستخراج اقتصادياً، حيث يوجد 37 من أصل 60 معدن تصنفها الولايات المتحدة كمعادن حرجة، فضلاً عن وجود نحو 7% من المياه العذبة العالمية في صفائحها الجليدية. وأوضحت الدراسة أن تلك الموارد المعدنية قد اجتذبت اهتماماً عالمياً متزايداً، عقب إعلان الرئيس الأمريكي عن رغبته في الاستحواذ على هذه الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي، على الرغم من كونها غير مستغله إلى حد كبير، وذلك بسبب الظروف البيئية القاسية ونقص البنية التحتية والعوائق التنظيمية والتحديات اللوجستية والهندسية الكبيرة الناجمة عن مساحة الجزيرة الشاسعة، فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تتجاوز 2.17 مليون كيلومتر مربع، وهي أكبر من مملكة الدنمارك نفسها بنحو 50 مرة، تغطي نحو %80 من مساحتها طبقة جليد دائمة، وتُصنف كثاني أكبر كتلة جليدية في العالم بعد قارة أنتاركتيكا، مما يستلزم استثمارات ضخمة. وأشارت الدراسة ،أن منجم "Kvanefjeld" الواقع في جزيرة جرينلاند يعد أحد أهم المشروعات غير المطورة على مستوى العالم، حيث يمتلك إمكانات هائلة ليصبح مورداً أساسياً للمعادن الأرضية النادرة -لا سيما مجموعة المعادن المغناطيسية" (terbium praseodymium neodymium dysprosium) اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة ومحركات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية وتشير التقديرات إلى أن هذا المنجم يحتوي على احتياطيات كبيرة من الموارد المعدنية تكفي لتشغيله لمدة تزيد عن 37 عاماً،وفي حال المضي قدماً في المشروع، سيصبح منجم "Kvanefjeld" أحد أكبر مصادر المعادن النادرة في العالم، وخامس أكبر منجم لليورانيوم ،ولكن في المقابل، يواجه هذا المشروع تحدياً رئيسياً، يتمثل في قانون برلمان جرينلاند رقم "20" الصادر في ديسمبر 2021 والذي يحظر التنقيب عن أي مورد معدني أو استكشافه أو استغلاله إذا تجاوز متوسط محتوی اليورانيوم فيه 100 جزء في المليون، وهو ما يقل عن تركيز اليورانيوم المختلط بالعناصر الأرضية النادرة في منجم "Kvanefjeld" البالغ حوالي 360 جزء في المليون. هذا وتجدر الإشارة إلى إقرار جزيرة جرينلاند لقانون المناجم الجديد (Mining Act) الذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2024 ويُعد الإطار التشريعي الأساسي لأنشطة الاستكشاف والتنقيب والاستخراج للموارد المعدنية في الجزيرة، ويستبدل هذا القانون الأنظمة السابقة بإجراءات أكثر وضوح وشفافية لمنح رخص الاستكشاف والاستغلال، مع تقليص البيروقراطية دون الإخلال بمتطلبات تقييم الأثر البيئي والاجتماعي، التي أصبحت شرطاً أساسياً قبل أي ترخيص نهائي كما يشدد القانون على تسجيل الشركات محلياً، وتعزيز مشاركة العمالة والموردين من داخل الجزيرة، وربط عائدات التعدين بأهداف التنمية الاقتصادية طويلة المدى وتقليص الاعتماد على دعم الدنمارك. وذكرت الدراسة أن جزيرة جرينلاند تعانى من قيود تتعلق بطبيعة مواردها المالية الحكومية في قطاع التعدين حيث تعتمد بشكل كبير على الدنمارك التي تقدم دعم سنوي للجزيرة يبلغ حوالي 511 مليون دولار ، أي ما يُمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي لجزيرة جرينلاند، مما يدفعها إلى الاعتماد كلياً على شركات خاصة من دول أخرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وأستراليا. وتابعت الدراسة ،أنه لتغطية تكاليف إنشاء المشروعات وفي هذا السياق، قدم بنك التصدير والاستيراد الأميركي في شهر يونيو 2025 قرضاً بقيمة 120 مليون دولار لتطوير مشروع Tanbreez" للمعادن النادرة الواقع في جنوب جزيرة جرينلاند، كما قام صندوق التصدير والاستثمار الدنماركي بزيادة حصته في شركة "Amaroq" الكندية المالكة لمحفظة من مواقع المعادن الحيوية في جنوب الجزيرة وأبدى اهتماماً أيضاً بتمويل مشروع "Amitsoq" للجرافيت الذي تم تصنيفه كمشروع استراتيجي للاتحاد الأوروبي، مما أتاح للمشروع الحصول على التمويل والدعم اللازم. وأضافت الدراسة، ووقع الاتحاد الأوروبي وحكومة جزيرة جرينلاند في نوفمبر 2023 مذكرة تفاهم لإقامة شراكة استراتيجية تهدف إلى تطوير سلاسل قيمة مستدامة للمعادن الحرجة، بما يعزز أمن الإمدادات الأوروبية ويدعم التحول الأخضر ،ومن جانبها، تتطلع الصين بدورها إلى المعادن الأرضية النادرة في جزيرة جرينلاند حيث دخلت شركة Leshan Shenghe" الصينية للمعادن الحرجة في شراكة مع حكومة جرينلاند في عام 2016، لتستحوذ على حصة بلغت 10.5% من مشروع منجم Kvanefjeld". كما قامت شركة Shenghe Resource" الصينية في يناير 2019 ، بتأسيس شركة مشتركة مع شركات تابعة للمؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية لإنشاء مشروعات لتجارة ومعالجة المعادن الأرضية النادرة ولكن قوانين جزيرة جرينلاند عطلت أي تقدم فعلي لتلك المشروعات حتى الآن. وأشارت الدراسة إلى أن أنشطة التنقيب عن النفط الخام بدأت في جزيرة جرينلاند منذ سبعينيات القرن الماضي، بمشاركة شركات كبرى مثل شل وشيفرون وإكسون موبيل وإيني، غير أن معظم هذه الأنشطة لم تسفر عن نتائج. ووفقاً لتقرير صادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في عام 2007، يحتمل أن يحتوي باطن الأرض في شمال شرق جزيرة جرينلاند على ما يصل إلى 31.4 مليار برميل من النفط المكافئ ،وفي عام 2021، قررت حكومة جرينلاند تعليق إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية، بعد أن خلصت إلى أن التكلفة البيئية والاقتصادية لاستمرار هذا النشاط مرتفعة للغاية مقارنة بالفوائد المحتملة، وأن تداعيات استخراج النفط تتعارض مع أهداف حماية البيئة. وتكمن أهم صلة في الوقت الحالي بين جزيرة جرينلاند وأسواق النفط العالمية في البعد الجيوسياسي حيث يمنحها موقعها في القطب الشمالي أهمية استراتيجية في مراقبة الممرات البحرية التي قد تصبح مستقبلاً طرقاً لتجارة النفط في ظل بدء ذوبان الجليد، لا سيما بين روسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية بسبب الاحترار العالمي. وفي ضوء ما سبق، يمكن فهم سبب تلويح الولايات المتحدة الأمريكية بفكرة الاستحواذ على جزيرة جرينلاند، حيث تمثل تلك الجزيرة ركيزة محتملة نظرياً لإعادة تشكيل سلاسل إمداد المعادن الحرجة بعيداً عن هيمنة الصين التي تستحوذ على 70% من إنتاج المعادن النادرة، و 90% من عمليات المعالجة، بما يعزز استقلالية القرار الاقتصادي والتكنولوجي للولايات المتحدة، ويحد من المخاطر الجيوسياسية التي قد تهدد مستقبل الصناعات الاستراتيجية في ظل تصاعد التنافس العالمي ،وفي إطار الاعتبارات الاستراتيجية الأعمق، يأتي هذا التوجه الأمريكي تماشياً مع استراتيجية الأمن القومي المعلنة في ديسمبر 2025، والتي استندت إلى مبدأ "Monroe" ، بوصفه إحدى ركائز السياسة الخارجية الأميركية منذ أكثر من قرنين، حيث يُنظر إلى نصف الكرة الأرضية الغربي، الذي يُعد القطب الشمالي سقفه الجغرافي، باعتباره منطقة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت بالفعل في السادس من يناير 2026 عن بدء دراسة الخيارات المطروحة للاستحواذ على جزيرة جرينلاند بما في ذلك الخيار العسكري هذا ويُذكر أن الدنمارك قامت في عام 1917 ببيع جزر الهند الغربية الدنماركية ( جزر العذراء - Saint Thomas و Saint John و Saint Croix) إلى الولايات المتحدة الأمريكية بمبلغ 25 مليون دولار من العملات الذهبية، بعد نحو 50 عاماً من المفاوضات. وفي المقابل، فإن وجود ممر مائي آمن عبر القطب الشمالي، يمتد في معظمه من الصين شمالاً مروراً بروسيا وصولاً إلى أسواق أوروبا، سيمثل شرياناً تجارياً واستراتيجياً للصين في حال تنامي التوترات الجيوسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، هذا وقد أطلقت الصين في عام 2018 مشروع طريق الحرير القطبي بهدف ربط الصين بأوروبا عبر طرق القطب الشمالي التي تعد أسرع بأكثر من 20 يوماً من الطرق التقليدية عبر قناة السويس أو حول طريق رأس الرجاء الصالح، وقد يُحدث هذا الطريق تحولاً جذرياً في قطاع الشحن العالمي ،وعليه، فإن التنافس حول جزيرة جرينلاند لا يقتصر على مواردها المعدنية فحسب، بل يعكس توجه أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وسلاسل الإمدادات العالمية، في مرحلة تتداخل فيها اعتبارات أمن الطاقة والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق. WhatsApp Image 2026-02-01 at 11.54.45 AM