كتب هانى الحوتى الإثنين، 02 فبراير 2026 05:25 م في ظل تحديات عالمية متسارعة تشهد اضطرابات في سلاسل الإمداد وتقلبات حادة في أسعار السلع الغذائية، برز جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، كأحد الأذرع الرئيسية للدولة المصرية في إدارة ملف السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، وخفض فاتورة الواردات، وضمان استقرار السوق المحلي دون فجوات أو أزمات. ومن خلال إدارة الشراء الموحد، يتولى الجهاز مسؤولية تدبير احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية، وتشمل القمح والذرة والزيوت، وذلك تنفيذًا لتوجيهات الدولة، ويعمل الجهاز بشكل مستمر على تطوير آليات العمل، وتحسين نظم التعاقد والمتابعة، وتأمين احتياجات الدولة من السلع الأساسية بأعلى كفاءة ممكنة، بما يحفظ الأمن الغذائي المصري ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات العالمية بثبات ومسؤولية. يعتمد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في إدارة ملف القمح على ثلاثة محاور رئيسية متوازية، تستهدف في مجملها ترشيد التكلفة، وتقليل المخاطر، وتعظيم الاعتماد على الموارد المحلية، دون تعريض السوق لأي اختناقات. إدارة ذكية للاستيراد يعمل الجهاز على تدبير احتياجات البلاد من القمح من الخارج عبر متابعة سعرية دقيقة لمنحنيات البورصات العالمية للسلع الغذائية، بما يتيح اختيار التوقيت الأمثل للتعاقد، وترشيد قرارات الشراء، وتجنب الذروة السعرية قدر الإمكان. وتشمل هذه المتابعة التحليلية المستمرة مؤشرات وتقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، ووزارة الزراعة الأمريكية، بما في ذلك تقديرات الإنتاج والحصاد، ومستويات المخزون العالمي، ومؤشرات الأمن الغذائي للسلع الاستراتيجية، وذلك في إطار إعداد ودعم دراسات السوق وتحليل أوضاع الأسواق العالمية للحبوب والسلع الغذائية الرئيسية. وبناءً على هذه البيانات، يقوم الجهاز بإعداد خطط شراء زمنية مرنة تتماشى مع مواسم التصدير والطاقات المتاحة عالميًا، مع مراعاة تحليل تأثير المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وانعكاساتها على البورصات العالمية للسلع الغذائية، وأسعار الطاقة، ونوالين النقل البحري، فضلًا عن تحليل تكاليف المخاطر المرتبطة بالحروب والنزاعات الإقليمية، وتأثيرها على سلاسل الإمداد وتأمين الشحنات. وقد أسهم هذا التنسيق والتعاون الوثيق بين الهيئة العامة للسلع التموينية وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في تعزيز كفاءة منظومة الشراء الخارجي، والحد من المخاطر السعرية واللوجستية، ورفع قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من السلع الاستراتيجية في ظل أوضاع دولية شديدة التقلب، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد العامة ويدعم الأمن الغذائي المصري. تنويع مناشئ الاستيراد يرتكز المحور الثاني على تنويع مصادر استيراد القمح وعدم الاعتماد على مناشئ بعينها، حيث توسع الجهاز في الاستيراد من مناشئ متعددة تشمل بلغاريا، وفرنسا، ورومانيا، وصربيا، وكازاخستان، ودول حوض البحر الأسود، بدلًا من الاقتصار على المناشئ الروسية والأوكرانية فقط. ويأتي هذا التوجه في إطار تفادي تداعيات الأزمة الدولية الراهنة، وتقليل المخاطر المرتبطة بتوقف الإمدادات أو ارتفاع الأسعار نتيجة التوترات الجيوسياسية، بما يضمن استمرارية التدفق السلعي واستقرار السوق المحلي دون تعرضه لأي اضطرابات مفاجئة. التوسع الزراعي المحلي أما المحور الثالث، فيستهدف خفض كميات الاستيراد السنوية من القمح من خلال التوسع المستدام في المساحات المنزرعة محليًا، عبر المشروعات القومية الزراعية العملاقة التي ينفذها الجهاز، وعلى رأسها مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب مشروعات سنابل سونو، والمنيا – بني سويف، والداخلة – العوينات، فضلًا عن مشروعات زراعية ضخمة جديدة يجري الإعداد لإطلاقها خلال الفترة المقبلة. وبالتوازي مع ذلك، يعمل الجهاز على تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الحبوب، حيث يجرى العمل على إنشاء مركز لوجستي متكامل للحبوب داخل الموانئ المصرية، يستفيد من الموقع الاستراتيجي لمصر لدعم عمليات إعادة التصدير وتوزيع الحبوب في المنطقة، بما يعزز مكانة مصر كمحور إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية. تعزيز المخزون الاستراتيجي وأسفرت هذه الجهود المتكاملة عن تراجع واردات مصر من القمح بنسبة 25% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، لتسجل نحو 2.6 مليار دولار، مقابل 3.4 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي، محققة وفرًا قدره 800 مليون دولار في فاتورة الاستيراد. كما ترجمت هذه السياسات بنجاح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في تأمين مخزون استراتيجي آمن من السلع الأساسية يغطي فترات تتجاوز أربعة أشهر، وذلك بالتنسيق الكامل مع الهيئة العامة للسلع التموينية، إلى جانب الإدارة المتوازنة لناتج المحصول المحلي، بما يضمن استدامة الإمدادات وتحقيق أعلى درجات الأمان الغذائي للدولة المصرية.