مع بدء دخول متطلبات واشتراطات مشغلي الشواطئ التي أصدرتها الهيئة السعودية للبحر الأحمر حيز التنفيذ؛ يلوح في أفق البحر الأحمر عصرٌ جديد ينبئ بتجربة شاطئية مثالية، تتجاوز مفاهيم التجربة التقليدية لتصنع سياحة ساحلية متكاملة قوامها الأمان والسلامة والاستدامة والجودة، هذا التحول الجذري الذي يرسم ملامحه الإطار التنظيمي الجديد، لا يكتفي بوضع القواعد، بل يعيد هندسة العلاقة بين الإنسان والبحر، بنموذج سياحي عالي المستوى. بصمة السلامة وتناغم الطبيعة وفي خضم هذا الحراك المتسارع نحو تنظيم السياحة الساحلية، تبرز المتطلبات الجديدة خارطة طريق دقيقة تُلزم مشغلي الشواطئ بمعايير لا تقبل المساومة، مستندة إلى أرفع المقاييس الدولية مثل “العلم الأزرق” ومواصفات الآيزو (ISO 13009)، لتضمن أن كل خطوة يخطوها السائح على رمال الشاطئ، وكل موجة يلامسها، تقع تحت مظلة من العناية الفائقة والسلامة الصارمة. وأبرز ما يميز هذا العهد الجديد هو تلك اللغة البصرية والخدمية التي ستتحدث بها الشواطئ لزوارها؛ إذ لن تكون الجودة مجرد انطباع عابر، بل ستُوثق عبر برنامج تصنيف دقيق يمنح الشواطئ درجات تميزها، بدءًا من “الصدفة البرونزية”، مرورًا بـ”الصدفة الفضية”، ووصولاً إلى “الصدفة الذهبية” التي ستتوج الشواطئ المستوفية للحد الأعلى من المعايير الفنية والتشغيلية، صِيغَت بذكاء لتعزز روح المنافسة الإيجابية بين المشغلين للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة. وانطلاقًا من مبدأ أن السلامة هي حجر الزاوية في أي تجربة سياحية، فرضت الاشتراطات سياجًا من الأمان الحيوي، يوجب وجود منقذين مؤهلين ومرخصين من الجهة المختصة، يتواجدون بزي موحد طيلة أوقات العمل، ولم يقف الحرص عند العنصر البشري فحسب، بل امتد ليشمل فصلًا تامًا بين مناطق السباحة ومسارات الوسائط البحرية، وتحديد مسافات آمنة لا تقل عن (50) مترًا لحماية السباحين، مع إلزامية توفير خطط طوارئ وإخلاء شاملة، وأعلام تحذيرية تتحدث بلغة الألوان لتنبيه الزوار من مخاطر التيارات الساحبة وحالات البحر. حملة جديدة لحماية الشواطئ وعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد التنظيمي، تتجلى حكمة صون الطبيعة في أبهى صورها؛ حيث تضع المتطلبات البيئية في قلب المعادلة التشغيلية، مانعةً أي مساس بأشجار المانجروف أو الشعاب المرجانية، ومحذرة من المساس بمواسم تعشيش السلاحف. كما تفرض رقابة صارمة على جودة مياه السباحة والرمال عبر فحوصات مخبرية دورية تضمن خلوها من الملوثات، وتمنع استخدام المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، ليبقى الشاطئ نقيًّا كما خلقته الطبيعة، حيث إن هذا النسق التنظيمي المتناغم الذي يحدد بدقة واجبات المشغل من توفير البنية التحتية والمرافق الصحية الملائمة، وصولًا إلى تدريب الكوادر وإدارة الحشود، يتوازى مع حفظ حقوق المستخدم في الحصول على خدمة لائقة ومعلومات دقيقة، مشكلًا بذلك عقدًا اجتماعيًا وتنظيميًا جديدًا.وبمرور عام من الآن، ستكون كل الشواطئ القائمة قد صححت أوضاعها لتندمج في هذا النسيج المتطور، مما يعكس الدور التنظيمي للهيئة السعودية للبحر الأحمر كضابط إيقاع يقود قطاع السياحة الساحلية بثقة نحو الريادة العالمية، جاعلًا من سواحل المملكة وجهة لا تُضاهى، حيث يلتقي سحر الطبيعة بدقة التنظيم.