سيُذكر عام 2025 في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال، بعد أن تحطّمت خلاله أرقام إنتاج وتصدير هذا الوقود فائق التبريد القياسية، وحققت مليارات الدولارات من العوائد عبر سلسلة الإمداد العالمية. وكان الارتفاع الحاد بنسبة 25% في مشتريات الدول الأوروبية من الغاز المسال أحد أبرز ملامح العام، إذ أنعش آمال المصدّرين بإمكانية استمرار نمو الاستهلاك في اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة خلال 2026 وما بعدها. لكن في المقابل، أثارت الانخفاضات في واردات ثلاث دول من بين أكبر خمسة مستوردين للغاز المسال عالمياً، وجميعها في آسيا، مخاوف حقيقية على مستوى الأرباح، لاسيما لدى المصدّرين الذين يراهنون على تصريف كميات أكبر من الغاز يُتوقع دخولها الأسواق هذا العام. تطرح القفزات الكبيرة في مشتريات عدة دول أوروبية خلال 2025 سؤالاً محورياً: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على هذه الشهية المفتوحة للغاز؟ من الزاوية الإيجابية، سجّل توليد الكهرباء من محطات الغاز في أوروبا أول زيادة سنوية له منذ ما قبل الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، التي عطّلت تدفقات الغاز إلى القارة. ووفقاً لبيانات مركز الأبحاث «إمبر»، بلغ إجمالي إنتاج الكهرباء من الغاز في أوروبا خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 1009 تيراواط/ساعة، بزيادة 3.4% على الفترة نفسها من 2024، وهي أول زيادة سنوية منذ 2021. ومن البديهي أن أي توسع إضافي في توليد الكهرباء من الغاز سيعني طلباً أعلى على واردات الغاز المسال، خصوصاً في الدول التي تعاني نقصاً في بدائل الطاقة. غير أن الصورة الأوسع للاقتصاد الأوروبي لا تزال قاتمة، مع ضعف قطاع التصنيع وتراجع الطلب الاستهلاكي، فيما لا يزال إنتاج القطاعات كثيفة الاستهلاك للغاز، مثل الكيماويات والأسمدة، قريباً من أدنى مستوياته التاريخية في ألمانيا، أكبر منتج صناعي في المنطقة. وإلى أن يتحقق تعافٍ متزامن في نشاط المستهلكين والشركات، يُرجّح أن يبقى الطلب الأوروبي على الغاز متقلباً، ما قد يضع سقفاً لأي زيادات إضافية في واردات الغاز المسال على المدى القريب. يثير ذلك تساؤلاً آخر: هل كانت مشتريات أوروبا المرتفعة في 2025 «مضخَّمة» سياسياً، في إطار سعي بعض الدول لتقليص فجواتها التجارية مع الولايات المتحدة خلال مفاوضات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب؟ تشير بيانات «كلبلر» المتخصصة إلى أن واردات أوروبا من الغاز الأمريكي قفزت بنحو 60% مقارنة بعام 2024، وهي زيادة تفوق بكثير نمو إجمالي واردات القارة من الغاز المسال. هذا التفاوت يوحي بأن بعض الدول الأوروبية ربما سعت إلى استرضاء ترامب في سياق النقاشات التجارية الثنائية. لكن مع تحوّل الاهتمام الدولي نحو ملفات جيوسياسية أخرى، مثل اهتمام واشنطن بالسيطرة على غرينلاند، قد تتراجع رغبة الأوروبيين في مجاراة البيت الأبيض خلال 2026. وإذا حدث ذلك، فقد تتقلص واردات الغاز الأمريكي التي استُخدمت في 2025 كأداة لتقليص العجز التجاري. أما في آسيا، التي استحوذت على نحو 64% من إجمالي واردات الغاز المسال عالمياً العام الماضي، فالصورة أقل إشراقاً. فقد تراجعت الشحنات إلى المشترين الآسيويين بنحو 5% في 2025 لتصل إلى 613 مليون متر مكعب. صحيح أن هذا التراجع لم يكن مقلقاً كثيراً طالما أن الطلب الأوروبي كان في صعود، لكن القلق سيتضاعف إذا استمر ضعف الطلب الآسيوي هذا العام وتباطأت وتيرة الشراء الأوروبية في آنٍ واحد. وسجّل أكبر مستوردين في العالم، الصين واليابان، انخفاضاً في وارداتهما بنسبة 15% و2% على التوالي خلال 2025. ويظل هذا التراجع المتزامن مصدر قلق رئيسياً في 2026، خاصة إذا استمر تباطؤ الاقتصاد الصيني وبقيت العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة والأسواق الأخرى متوترة. كما أن التوسع السريع في الطاقة المتجددة في الصين، والتعافي التدريجي للطاقة النووية في اليابان، يضغطان على حصة الغاز في مزيج توليد الكهرباء. وحتى الهند، رابع أكبر مستورد، خفّضت وارداتها بنسبة 7%، ما خيّب آمال المصدّرين الذين كانوا يعوّلون عليها كسوق نمو مستدامة. أدت الأسعار العالمية المرتفعة للغاز إلى تراجع مستمر في توليد الكهرباء بالغاز في الهند خلال السنوات الأخيرة، وإلى تباطؤ حاد في الاستثمارات ببنية توزيع وتخزين الغاز. ويجادل المتفائلون بأن التوسع الكبير في طاقات التصدير المخطط لها سيؤدي إلى خفض الأسعار العالمية، ما قد يعيد تنشيط الطلب في اقتصادات سريعة النمو وحساسة للأسعار مثل الهند وباكستان وبنغلاديش. لكن مع بقاء أسعار الغاز المرجعية قرب أعلى مستوياتها في ثلاثة أعوام، وارتفاعها حتى داخل الولايات المتحدة، أكبر منتج عالمي، قد يجد المصدّرون صعوبة في خفض أسعار البيع على المدى القريب. وهكذا، قد يجد مُصدّرو الغاز المسال أنفسهم في 2026 عالقين بين سوق أوروبية يصعب توسيعها كثيراً مقارنة بمستويات 2025، وسوق آسيوية يتسم طلبها بالتذبذب في ظل تباطؤ الصين وتحولات الطاقة، ما يجعل العام الجديد مزيجاً من الفرص المحدودة والهواجس الثقيلة. * كاتب متخصص في التحول العالمي في مجال الطاقة (رويترز)