تابع قناة عكاظ على الواتساب يطول الحديث عن تاريخ الأيديولوجيات، منذ ظهور الدولة، بكلاسيكية حذرة، إلى دولة وطنية، ثم دولة مؤسسات؛ كسبت الاجتماع والإجماع، واستقرت بها أوضاع الشعوب نسبيّاً، وبزيادة الوعي غدت السيادة الوطنية أكبر مكتسب أمّن حياة الإنسان، وحمى عرضه، وحفظ كرامته وحقوقه. فيما يستميتُ بعضُ المُتسلّطِين أو الشلطويين باسم الأديان؛ في سبيل إثبات دينية الدولة؛ أي أن الدين سابق عليها؛ وموجّهٌ لها؛ وهي حاكمة بأمره؛ ومذعنةٌ لغلبته وقهره؛ لتغدو مرجعية دولتهم المُتخيّلة (نصوصاً مقدّسة) قابلة للتفسير والتأويل والانزياح، ما يتيح لهم الاستبداد والفساد باسم التشريع، فيما الدولة بناء سياسي واجتماعي يستفيد من معطيات عدة، منها أعراف الشعوب؛ والسياسي يبني دولة بالأنظمة والقوانين التي تسع الجميع، وتحكم ولا تتحكّم، وتبني الروح والعقل والجسم والنفس ولا تهدم؛ والأيديولوجيا تهدم؛ وفي عالمنا العربي تحديداً الأيديولوجيات مشبوهة؛ ويكفي لتقريب الصورة للذهن استعادة أمثلة؛ واستقراء واقع ما حدث في العراق 2003، ومصر عام 2011، واليمن 2014، فالدول التي انبنت عبر عقود انهدمت في أشهر؛ بسبب العبث في مفاصلها، واستبدال دولة المؤسسات بأيديولوجيات الجماعات والمليشيات؛ ظناً أن الأيديولوجيات تصنع الدُّوَل. ومما أثبته الواقع وعزّزته الوقائع أن الأيديولوجيا (عمياء) وتزداد عمى، كلما صادمت العقل؛ وتصدّت لحراك المجتمع الحيوي بطبعه؛ مستندة إلى نص ديني؛ مفهومه بحسبهم مُحرّض واستفزازي؛ ما يخلق حالة الفوضى، ويؤسّس نزعة الاحتراب؛ والأحزاب والمذاهب والتيارات والطوائف، سهل تأسيسها وصعب التحكم فيها؛ ولا يصعب اختراقها وتوجيهها لتغدو حربة في نحر الأوطان، والعمل ضد مصلحة الإنسان، علماً بأن بذرة فنائها تكمن في داخلها، وعلى المدى تتآكل أو تأكل نفسها. ومن مظاهر عور الأيديولوجيا، أنها ترفع الاحتمالات إلى مرتبة اليقينيات؛ فخطابها قطعي لا محل فيه للظنّيات، وحلولها ناجعة نتائجها النهائية، دون أي اعتبار للنسبية؛ كما أنها تستسهل الحكم على النوايا (التي لا يعلمها إلا الله)، وتدين قبل توفير الأدلة؛ وتجنح إلى إساءة الظن، وتمارس العنف وتبث الرعب كونهما يولّدان الكراهية؛ المستندة بزعمهم للمقدّس؛ المتحتّم الاحتكام إليه، والتعويل عليه، في إدارة مجتمعات مستقرة بأدوات إشكالية، ما يفضي إلى إهانة البشر، وتشويههم بالتعسّف والتحكم، ما ينامي أجيالاً مشحونة بطاقة الانتقام والتوجس. وبين ما هو متعدد وإشكالي؛ والمتحد أو الموحد السلمي؛ مثل ما بين السماء والأرض؛ فما يترتب على الإشكالي لا يمكن إلا أن يكون إشكالياً؛ وما يترتب على السلمي أقرب للقبول والتعايش، والأيديولوجيات إشكالية، والتجارب الحركية في العالم الإسلامي؛ حاولت حكم الناس بما تزعمه دِيناً، في ظلّ غياب الدولة، ولم تُفلح ولم تنجح مشاريعها، وكل ذلك نتاج قناعاتها القائمة على خطأ في التصوّر لماضي الإسلام، ولأنه ليس لدى جماعات الإسلام السياسي رؤية موضوعية، لرسم ملامح الواقع وتخطيط معالم المستقبل، تلجأ الأيديولوجيا للماضي، باعتباره الموروث الثابت الذي يمكن التأسيس عليه! ظنّاً بأنه كلٌّ لا يتجزأ؛ وواحدٌ لا يتعدّد، وهو بالبحث والتقصي أكثر من موروث؛ وليس له تراكمية متواترة؛ بل مراحل أحادية شبه مستقلة، وكل مرحلة تراوح بين القبليّة والمدنيّة، والاستقلالية والتبعيّة. ولعل من مزايا دِين الإسلام، وربما كافة الأديان؛ أنّ لديها قابلية، للتفاعل مع المجتمع، والتأثير فيه والتأثر به؛ وهذا تأكيد على أنّ العادات والأعراف والتقاليد تلقي بظلالها على الموروث التديّني، وتغدو جزءًا منه أو يغدو جزءًا منها، وبهذا كانت البيئات تحصّن نفسها من الأيديولوجيات، ولذا من الطبيعي أن تلتم سريعاً تحت راية الدولة؛ التي هي بأقسى معطياتها، أرحم وألطف من أي أيديولوجية، علماً بأنه لم يثبت فيها لُطف.