ماذا لو كانت القواعد التي بُنيت عليها مفاهيم "النجاح" و"الاستدامة" في عالم الأعمال خلال العقود الأخيرة خاطئة من الأساس؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ينطلق منه الاقتصادي البريطاني جون كاي في كتابه الشركة في القرن الحادي والعشرين، حيث يقدم أطروحة جريئة تهز الأسس التقليدية لاستراتيجيات الأعمال المعاصرة، وتفتح الباب أمام فهم جديد لطبيعة الشركة ودورها الاقتصادي والاجتماعي. يعتمد كاي في تحليله على مساهمات بارزة في الاقتصاد المؤسسي، خاصة أعمال مارغريت بلير ولين ستاوت، ليُفكك ما يُعرف بعقيدة "تعظيم قيمة المساهمين" التي هيمنت على الفكر الإداري والمالي لأكثر من أربعين عاماً. ويذهب إلى أن التركيز المفرط على الأهداف المالية قصيرة الأجل قد يُثري فئة محدودة من التنفيذيين، لكنه في المقابل يقود الشركات إلى ما يشبه "الانتحار البطيء" على المدى الطويل، من خلال تقويض قدراتها الجوهرية وتآكل الثقة بينها وبين المجتمع. يضع كاي كتابه ضمن تقليد فكري عريض في الاقتصاد السياسي، مستلهماً أعمالاً كلاسيكية مثل ثروة الأمم لآدم سميث، والتحول العظيم لكارل بولاني، والدولة الصناعية الجديدة لجون كينيث غالبرَيث، ليؤكد أن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعديل في نماذج الإدارة، بل تحولاً مؤسسياً عميقاً في طبيعة الرأسمالية نفسها. تحول مفهوم رأس المال يُبرز كاي أن اللغة التي نصف بها "رأس المال" لم تواكب التحولات الفعلية في طبيعة الاقتصاد. ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، كان رأس المال المادي هو العنصر الحاسم: المصانع، خطوط الإنتاج، السكك الحديدية، والآلات الثقيلة. أما في القرن الحادي والعشرين، فلم تعد الشركات تُعرف بما تملكه من أصول مادية بقدر ما تُعرف بما تمتلكه من أصول غير ملموسة. اليوم، تتجلى الأشكال المهيمنة لرأس المال في رأس المال البشري (المهارات والخبرة والحكم المهني)، ورأس المال الاجتماعي (الثقة، السمعة، والعلاقات)، ورأس المال التنظيمي (الثقافة المؤسسية وأساليب العمل)، ورأس المال الفكري (المعرفة والبيانات والابتكار). ويضرب كاي مثالاً بشركة مثل "أمازون"، التي تعتمد على مستودعات وشبكات توزيع ضخمة، لكنها في الغالب لا تملك هذه الأصول بل تستأجرها، بينما تكمن قوتها الحقيقية في التنظيم والتكنولوجيا والخبرة اللوجستية. الاقتصاد التعددي يرى كاي أن هذا التحول أسهم في نشوء ما يسميه "اقتصاداً تعددياً" أو "ما بعد رأسمالي"، حيث لم تعد العلاقات الاقتصادية تُختزل في صراع طبقي تقليدي بين مالكي رأس المال والعمال. غير أن هذا الطرح يظل محل جدل، إذ يشير منتقدون إلى أن رأس المال المادي لم يختفِ، بل جرى "تصديره" إلى دول أخرى مثل الصين والمكسيك وكوريا الجنوبية، وأن الصراع الطبقي بات عالمياً أكثر منه محلياً، كما يظهر في اتساع فجوات الدخل والثروة داخل الاقتصادات المتقدمة. التفكير قصير الأجل ينطلق كاي من مفارقة لافتة: المستهلكون يعشقون منتجات الشركات الكبرى، لكنهم يكرهون تلك الشركات نفسها. فنحن نحب الهواتف الذكية، ومحركات البحث، والتجارة الإلكترونية، والطيران منخفض التكلفة، لكننا في الوقت ذاته ننظر إلى الشركات المنتجة باعتبارها جشعة، ومستغِلة، وغير مسؤولة اجتماعياً، بل ومؤثرة سلباً في الديمقراطية من خلال الضغط السياسي. يربط كاي هذا التناقض بهيمنة التفكير المالي قصير الأجل، الذي يركز على تعظيم الأرباح وتقليص التكاليف ورفع سعر السهم. ويُرجع جذور هذا التوجه إلى سبعينيات القرن الماضي، خصوصاً مقال ميلتون فريدمان الشهير عام 1970، الذي أكد أن "المسؤولية الاجتماعية الوحيدة للأعمال هي زيادة أرباحها". وقد ترسخت هذه الرؤية خلال الثمانينيات والتسعينيات، لتبدأ آثارها السلبية بالظهور بوضوح منذ مطلع الألفية. فورتشن 500 ويستشهد كاي بقائمة "فورتشن 500" ليُظهر هشاشة هذا النموذج: فمن بين أكبر 500 شركة أمريكية عام 1955، لم يبقَ في القائمة عام 2025 سوى 49 شركة فقط. والمفارقة أن معظم الشركات التي صمدت لم تُدار وفق منطق تعظيم قيمة المساهمين، بل حافظت على التزامها بقدراتها الأساسية وأهدافها طويلة الأجل، مثل تويوتا، وبوش، وبيركشاير هاثاواي، ويونيليفر. وعلى النقيض، يقدم مثال شركة بوينغ التي حققت ذروة في قيمتها السوقية بعد تبنيها ثقافة مالية قصيرة الأجل، قبل أن تدخل في أزمات كارثية أثرت على سمعتها وسلامة منتجاتها. التمويل المفرط وعدم الاستقرار الاقتصادي يرى كاي أن التركيز على الأهداف المالية قصيرة الأجل أسهم في تعميق ظاهرة "التَمَوْلُن" أو "التمويل المفرط"، أي تضخم دور الأسواق والمؤسسات المالية على حساب الاقتصاد الحقيقي. ويؤكد أن هذا التوجه يولد فقاعات أصول، ويشجع على المخاطرة المفرطة والمضاربات غير المسؤولة، ويحوّل التمويل من أداة لخدمة الاستثمار والإنتاج إلى غاية في حد ذاته. ويحذر كاي مما يسميه "لعنة التمويل"، حيث تجتذب القطاعات المالية حصة غير متناسبة من الموارد والمواهب، ما يؤدي إلى إضعاف النمو الحقيقي وتوسيع فجوة اللامساواة. من ملكية المساهمين إلى نموذج أصحاب المصلحة يفكك كاي الفكرة الشائعة بأن المساهمين هم "مالكو" الشركات، مؤكداً أنهم يملكون أسهماً فقط، لا الأصول ولا السيطرة الفعلية على النشاط. هذا الخلط، برأيه، أدى إلى تشويه الغاية الأساسية من وجود الشركة. في المقابل، يدافع كاي عن نموذج "أصحاب المصلحة"، حيث تُعد الشركة مؤسسة اجتماعية تجمع موظفين ومديرين وموردين ومستثمرين وعملاء ومجتمعاً أوسع، يرتبطون بها بعلاقات ثقة ومصلحة مشتركة لا تختزلها العقود وحدها. ويشبّه ذلك بفريق رياضي، حيث لا يصنع النجم وحده النجاح، بل التعاون بين اللاعبين والجهاز الفني والدعم الجماهيري. يخلص كاي إلى أن الشركات الأكثر نجاحاً على المدى الطويل هي تلك التي تُدار كمؤسسات ذات غاية، تقوم على الثقة والعمل الجماعي والالتزام طويل الأجل، كما في نماذج مثل "جون لويس"، و"إيكيا"، و"باتاغونيا"، و"موندراجون". ويؤكد أن كسر الثقة بين أصحاب المصلحة لا يؤدي فقط إلى أزمة أخلاقية، بل إلى فشل اقتصادي حتمي. في المحصلة، يقدم كتاب "الشركة في القرن الحادي والعشرين" نقداً عميقاً لهيمنة التفكير المالي قصير الأجل، ودعوة ملحّة لإعادة تعريف دور الشركة في الاقتصاد والمجتمع. إنه عمل في الاقتصاد السياسي بأفضل تجلياته، ومرشح ليكون مرجعاً كلاسيكياً في فهم مستقبل الأعمال. المصدر: منصة "إل إس إي"