في وقتٍ بات فيه البحث عن وظيفة عبر منصة «لينكدإن» مهمة شاقة، مع إعلانات تجذب مئات بل آلاف المتقدمين خلال ساعات قليلة، يواجه الباحثون عن عمل تحدياً حقيقياً، يتمثل في كيفية التميّز وسط هذا الزحام الرقمي. ورغم هذا الواقع، تكشف تجارب عملية لعدد من المستخدمين أن المنصة نفسها ما زالت تتيح فرصاً حقيقية، شريطة استخدامها بذكاء واستراتيجية واضحة، بحسب تقرير لموقع «بيزنس إنسايدر». ويرصد التقرير ثلاث قصص لأشخاص نجحوا في الحصول على وظائف جديدة من خلال «لينكدإن»، كلٌ منهم اتبع مساراً مختلفاً: أحدهم استخدم فلاتر غير شائعة في البحث عن الوظائف، وآخر اعتمد على التواصل المباشر المدروس مع مسؤولي التوظيف، فيما لجأ الثالث إلى النشر المنتظم لمحتواه المهني حتى أصبحت الفرص تأتيه دون تقديم طلبات تقليدية.شارك هؤلاء الثلاثة تفاصيل تجاربهم مع «بيزنس إنسايدر»، مع تحرير الاقتباسات من حيث الطول والوضوح. فلتر بسيط غيّر مسار البحثلورين يونغ، البالغة من العمر 28 عاماً، تعمل حالياً متخصصة في التعليم المستمر بولاية إنديانا، وتمثل نموذجاً لمن شعروا بالإحباط من سوق العمل قبل أن يقودهم استخدام أداة بسيطة إلى فرصة غير متوقعة.وبحسب ما نقلته لورين يونغ، فإنها خلال ربيع العام الماضي كانت تشعر بازدياد واضح في عدم الرضا والضغط النفسي في وظيفتها، ما دفعها إلى بدء التقديم على عدة وظائف يومياً. وأوضحت أن الفترة القصيرة التي عادت فيها إلى سوق العمل، ما بين مارس ويونيو، كانت كافية، لتكشف لها مدى صعوبة المنافسة، إذ كانت تشعر بأن فرصها تتضاءل يوماً بعد يوم، دون أن تحصل على أي عرض جدي.وأشارت يونغ إلى أنها تقيم خارج مدينة شيكاغو، وكانت العديد من الوظائف التي تظهر لها على «لينكدإن» تابعة لشركات عملاقة مدرجة ضمن قائمة «فورتشن 500». وأضافت أنه حتى عندما يكون الإعلان حديث النشر، خلال ساعات أو يوم واحد فقط، كانت تلاحظ تقدم مئات الأشخاص فوراً، ما جعلها تشعر بأن فرصها شبه معدومة.وأمام هذا الواقع، قررت يونغ تغيير استراتيجيتها، والبدء في استخدام فلاتر البحث على «لينكدإن» بشكل أكثر دقة وذكاء، بدلاً من التقديم العشوائي. وخلال هذه التجربة، اكتشفت فلتراً أقل شهرة يحمل اسم «أقل من 10 متقدمين»، ويقع في أسفل قائمة «جميع الفلاتر».وأوضحت أن استخدام هذا الفلتر أتاح لها رؤية وظائف في شركات صغيرة أو متوسطة لا تحظى بمتابعة واسعة على «لينكدإن»، وبالتالي لا تجذب أعداداً هائلة من المتقدمين فور نشر الإعلان.وأضافت يونغ أن وظيفتها الحالية تتمثل في مساعدة المهنيين في القطاع الطبي الراغبين في تطوير مسارهم التعليمي أو الحصول على تراخيص إضافية. وأقرت بأنها لم تكن تتوقع أن تكون من أبرز المرشحين، نظراً لعدم امتلاكها خبرة سابقة في المجال الطبي، إلا أن الإعلان كان جديداً وعدد المتقدمين عليه محدوداً للغاية. وبحسب روايتها، حصلت يونغ على أول مقابلة عمل في نهاية شهر مايو، ثم تلقت خطاب عرض العمل في منتصف يونيو. رسالة مباشرة فتحت باب العملأما القصة الثانية، فتعود إلى صوفي روز، وهي موظفة في شركة «أوبن إيه آي» في أواخر العشرينات من عمرها، وتقيم في مدينة سان فرانسيسكو. وتُظهر تجربتها كيف يمكن للتواصل المباشر المدروس عبر «لينكدإن» أن يختصر الطريق إلى وظيفة مرموقة.وبحسب ما نقلته روز، فإنها انضمت إلى «أوبن إيه آي» في عام 2023 للمشاركة في بناء فريق كان يُعرف آنذاك بفريق «الزملاء». وخلال متابعتها لمنصة «لينكدإن»، لاحظت أن إحدى القيادات في فريق «السوق المستهدف» نشرت إعلاناً تفيد فيه بأنها تبحث عن أول موظف في دور «مساعد حسابات». وأوضحت روز أنها قررت عدم الاكتفاء بالتقديم التقليدي، بل بادرت بإرسال رسالة مباشرة إلى هذه القيادية، تستفسر فيها عن الفرصة. وأكدت أن هذه الخطوة كانت حاسمة، إذ لم تمضِ خمسة أسابيع على إرسال الرسالة حتى كانت تحمل عرض العمل رسمياً.وأضافت أن صياغة الرسالة كانت مدروسة، حيث بدأت بتهنئة المسؤولة على دورها الجديد، ثم أشارت إلى أنها رأت إعلان التوظيف الخاص بدور «مساعد حسابات». كما أوضحت اهتمامها بمعرفة المزيد عن الوظيفة، وأبلغتها بنيتها التقديم رسمياً، مع استعدادها للانتقال إلى مدينة أخرى من أجل الفرصة، وسألتها أيضاً عن إمكانية إجراء مكالمة.ووفقاً لروايتها، جاء الرد بالاعتذار عن إجراء مكالمة في تلك المرحلة، مع وعد بدفع سيرتها الذاتية إلى مرحلة الفرز الأولي. وتقول روز إنها تقدمت للوظيفة في اليوم التالي مباشرة، ثم أرسلت رسالة متابعة تشكر فيها المسؤولة وتؤكد تطلعها لاستكشاف الفرصة مع «أوبن إيه آي».وفي هذا السياق، حذرت روز من خطأين شائعين يقع فيهما الباحثون عن عمل: الأول هو طلب وقت أو مكالمة بشكل مباشر منذ الرسالة الأولى دون مبرر واضح، والثاني هو التسرع في إرسال رسالة متابعة عامة ومكررة.وأوضحت أن طلب الوقت يجب أن يكون مبرراً بدقة، بينما يُفضّل في المتابعة الانتظار عدة أسابيع أو استغلال مناسبة جديدة، مثل منشور حديث للشخص المعني، بدل إرسال رسالة نمطية. النشر الذكي مغناطيس للفرصأما القصة الثالثة، فتخص دهيي مافاني، مهندس برمجيات يبلغ من العمر 21 عاماً ويعمل حالياً في شركة «لينكدإن» نفسها، ويقيم في مدينة «سانيڤيل» بولاية كاليفورنيا.ووفقاً لما رواه مافاني، فقد انتقل من الهند إلى الولايات المتحدة في عام 2021 للدراسة في كلية «أمهرست»، حيث تخصص في علوم الحاسوب والرياضيات والإحصاء في آنٍ واحد. وأوضح أن بدايته مع النشر على «لينكدإن» لم تكن بدافع البحث عن وظيفة، بل نتيجة تواصل طلاب آخرين معه لطلب المشورة وتبادل الأفكار المهنية.وأشار إلى أنه قرر توثيق رحلته التعليمية والمهنية ومشاركة ما يتعلمه مع الآخرين، بهدف توفير قيمة معرفية عامة. ومع مرور الوقت، توسعت شبكته المهنية بشكل لافت، لتتجاوز 500 اتصال وأكثر من 6 آلاف متابع.وأوضح مافاني أنه نشر في إحدى المرات منشوراً حول ورقة بحثية أعدّها، قدّم فيه ملخصاً لأبحاثه، والمسار الذي أوصله إليها، وأبرز النتائج، إضافة إلى الأسئلة التي ما زال يعمل عليها مستقبلاً. وذكر أن هذا المنشور حقق تفاعلاً واسعاً، تجاوز 45 ألف مشاهدة، وتلقى على إثره تواصلاً من باحثين يعملون في مختبرات بحثية بجامعات مرموقة مثل «برينستون» وغيرها.وأكد مافاني أن الصياغة القائمة على «القيمة أولاً» هي مفتاح النجاح، أي أن يشرح صاحب المنشور وجهة نظره ولماذا يتبناها، وما الأثر الذي يمكن أن يتركه العمل الذي يشاركه. كما أشار إلى أهمية التفاعل مع محتوى الآخرين لزيادة الظهور وبناء شبكة أوسع.وضرب مثالاً بتعليق كتبه على منشور يتعلق بشركة «جوجل»، شارك فيه تحليله لاستراتيجية الشركة، وهو تعليق حصد أكثر من 100 ألف مشاهدة. وبحسب روايته، فإن هذا النشاط المتواصل على «لينكدإن» أثمر في عام 2023 عندما تواصل معه أحد مسؤولي التوظيف في الشركة عبر المنصة لمناقشة فرصة تدريب، تحولت لاحقاً إلى وظيفة بدوام كامل كمهندس برمجيات. خلاصة التجاربتُظهر هذه القصص الثلاث، وفق تقرير «بيزنس إنسايدر»، أن النجاح في «لينكدإن» لا يرتبط فقط بعدد الطلبات المرسلة، بل بمدى فهم آليات المنصة واستخدامها بذكاء. فسواء عبر فلتر مهمل، أو رسالة مباشرة مصاغة بعناية، أو محتوى مهني يركز على القيمة، تبقى الفرص متاحة لمن يحسن استثمار الأدوات الرقمية المتاحة، في سوق عمل يزداد تنافساً يوماً بعد يوم.