«سنجعلها جنة خضراء بإذن الله».. هكذا كان الوعد الذي تحقق، أما صاحبه فهو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كما يروي صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، في كتابه «مع زايد» الذي يتضمن ذكريات سموّه، بصحبة الباني، والمؤسس، وصاحب اليد الخضراء، وبطل الأرض، وغيرها من الألقاب الكثيرة الذي تشرّفت بالاقتران باسم «زايد الخير»، لكن يبدو أن هناك لقباً أعز وأغلى، وهو «أبونا زايد»، فكل أبناء هذه الأرض الطيبة، على امتداد ربوعها، من الكبير إلى الصغير، جيلاً بعد جيل، يتفقون على صفة «الوالد»، والكلمة هنا تتجاوز حدود المجاز، لتختصر علاقة وجدانية، ومنزلة خاصة منقوشة في القلوب، وما تكنّه من محبة حقيقية لرمز الحكمة والإخلاص لشعبه، وهو ما أكّده صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي في الكثير من محطات ذكرياته، حيث تحضر صفة «الوالد» و«الأب» دوماً مع الشيخ زايد. وتتوالى في الكتاب القصص التي لا تنسى، والمواقف التي تعود إلى سنوات بعيدة، تخطت النصف قرن، حينما كان صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي في بداية العشرينات من العمر، وكان شاهداً على أيام تاريخية، ومحطات مفصلية في عُمر الوطن، وميلاد حلم الاتحاد على يد القائد الذي راهن على بناء البشر قبل الحجر، مسترجعاً أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد الاتحاد، وتحديداً في 11 ديسمبر عام 1971، وتوليه منصب وزير الزراعة، وسماعه كلمات الشيخ زايد، واصفاً ذلك بقوله: «لاشك أن العودة لذلك التاريخ تنطوي على أهمية كبرى، ليس بالنسبة إليّ وحسب، بل بالنسبة للأجيال التي ستتولى المسؤولية من بعدي، ففي ذلك الوقت كنت فتيّاً في بداية العشرينات من عمري، وكنت أنهل من كلماته وأعتبره مثل والدي، وكم كنت أفرح عندما يسر لي بآرائه وخططه المستقبلية، فأنطلق وكلي حماس إلى إنجاز ما علي، من مشاريع في وزارة الزراعة التي تسلمت مسؤوليتها حينها، إنها تجربة غنية تستحق الوقوف والتمعن والتدوين كي تكون عبرة على مر الأجيال». وإلى جانب الأحلام الكبيرة، ومشاريع التطوير، والإنجازات النوعية التي حققها المغفور له الشيخ زايد في جميع الميادين، بطول الإمارات وعرضها، والتي تتحدث عنها الذكريات باستفاضة، لا تغيب الملامح الإنسانية، ليرسم صاحب السموّ حاكم الفجيرة، في الكتاب، صورة «زايد الخير» من واقع معايشة طويلة، ويبرز ملامح القائد المتواضع.. من كان يوقف موكبه للاطمئنان على امرأة عجوز تجلس في ظل شجرة، وتفقد أحوالها.. صاحب الوجه البشوش الذي كان يفاجئ أصحاب المزارع بالزيارة، ووسط دهشة الحضور، كان يمسك إحدى أدوات الحفر ويسوي التراب حول النخيل، كما يرسم بصدق صورة لوالد الجميع الذي كان يقرع باب عائلة لا تصدق عيونهم ما تراه حينما يجدون هذا الرمز الخالد يطمئن على أحوالهم، ويسأل الصغار بشكل خاص عن درجاتهم في المدرسة، بل يمنحهم مكافأة سخية، حينما يرى تفوقهم. وتتعدد المواقف الوطنية والإنسانية، لكن تبقى صفة الوالد حاضرة، مثبتة ما تستدعيه من قيم كبيرة واحترام وتفانٍ، وتلمس خطى الشيخ زايد، ومن بين ما يستدعيه صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي: «لن أنسى ما حصل أثناء زيارة الشيخ الوالد زايد، رحمه الله وطيب ثراه، إلى الفجيرة في التاسع والعشرين من مارس 1972، وقد كنت ولياً للعهد، في تلك الزيارة أشار إلى الأراضي الرملية الشاسعة، وقال: سنجعلها جنة خضراء بإذن الله. حينها اختلطت عندي المشاعر، وأحسست أنني أمام أب وقائد تاريخي كبير جاء ليؤسس دولة عصرية بالفعل». وفي مجلس آخر تفيض أركانه بالسكينة وتزدان هيبته بحضور الشيخ زايد، كما يروي صاحب الذكريات في الكتاب الذي يقع في 221 صفحة، خاطبه المؤسس: «يا ولدي حمد هذه الأرض ليست مجرد صحراء، بل هي أمانة في أعناقنا، إن أحسنا عمارتها وأخلصنا في خدمة أهلها، غدت لنا جنة وارفة، وموئلاً للخير والعطاء». «السلام عليكم يا أمي» وعن تواضع الوالد، وسماته الإنسانية، وكرمه الفيّاض بلا حدود، يتذكر صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي مشهداً لا ينسى، خلال زيارة برفقة الشيخ زايد إلى العين: «حينما توقف عند امرأة مسنة جالسة تحت شجرة كبيرة، فترجل من السيارة وذهب باتجاهها، وألقى التحية وخاطبها بالقول: السلام عليكم يا أمي، فردت المرأة السلام قائلة: وعليكم السلام يا بني، ولم تكن تعرف أن من يحدثها هو الشيخ زايد، رحمه الله، سألها عن أحوالها وسبب جلوسها تحت الشجرة، وإن كانت تنتظر شيئاً أو تحتاج إلى مساعدة. فقالت إنها تعتني بالأشجار وتسقيها في هذا الجو الحار». وتتواصل الحكاية، بمشهد عطاء، حيث أمر الشيخ زايد أحد مرافقيه بترك سيارته هدية للمرأة، مؤكداً: «هذه العجوز الطيبة أمنا جميعاً، إنها أم أبناء الإمارات كلهم، وإنني عندما أقدرها وأقدم المساعدة لها، إنما أساعد أمي وليس امرأة غريبة لا أعرفها»، فهذه هي أخلاق زايد الخير، وهكذا كان عطاؤه الذي لم ينقطع حتى اليوم، بما ورثه لأبناء شعبه من قيم وجود وخيرات تصل إلى القريب والبعيد. ولأن راوي الذكريات كان وزير زراعة في بداية تأسيس دولة الإمارات، وعقب الاتحاد، فقد كان شاهداً على «صاحب اليد الخضراء»، ومن ردد كثيراً: «ازرعوا هنا نخلة.. وهنا غافة.. وهنا سدرة.. وهو يتجول في شوارع العين وأبوظبي والشارقة والفجيرة وغيرها.. منشغلاً بحال البلاد وحدائقها وناسها وطبيعة شوارعها ومبانيها. كان نشر الغطاء الأخضر في أول اهتماماته». بالكلمة.. والصورة وكما تقوم الكلمة بدورها في كتاب «مع زايد»، لا تغيب الصورة، إذ تحضر لقطات جمعت بين المغفور له الشيخ زايد، وصاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي، لتمنح القارئ محطات بصرية متنوعة، منذ سنوات بعيدة، ومن زمن الأبيض والأسود، لكنها حافلة بألوان الإخلاص للوطن، ومشاهد من تفانوا لأجل إعلاء رايته عالية خفاقة، وتسطير إنجازات طبقت الآفاق، وتتبع خطوات الآباء المؤسسين ومن ساروا على نهجهم، عازمين على استكمال المسيرة الباهرة، وهو ما تحكيه الصور النادرة التي يحويها الكتاب في محطات عدة.. وصفحات تجعل من يطالعها يعايش هؤلاء القادة في جلساتهم المتواضعة، ويرى الابتسامات العفوية والمحبة التي تطلّ من العيون، وقبل هذا العزيمة التي جعلتهم يصلون الليل بالنهار من أجل إسعاد شعب الإمارات، وكل من يقيمون على هذه الأرض الطيبة التي ترحب بالجميع من جهات العالم المختلفة. ويقول صاحب السموّ حاكم الفجيرة: «في جميع اللقاءات التي جمعتني بالشيخ زايد، حاولت على الدوام أن أحفظ كلامه وأدوّن آراءه في ذاكرتي حتى لا أنساها أبداً، وأستطيع القول إنني مدين لذلك البحر الواسع الذي نهلت منه، وفي جميع ما قمت به من مشاريع حاولت أن أتمثل رؤيته على الدوام». عاشق المتنبي ولأن «الحكيم» لا يتعلق إلا بكبار النفوس والمواهب، كان الشيخ زايد من عشّاق شاعر العربية الأبرز، كما يكشف صاحب السموّ حاكم الفجيرة في كتابه: «كان من عشاق الشاعر أبي الطيب المتنبي، وكثيراً ما كان يستشهد بأشعاره عند الحديث عن مواضيع العلم والثقافة، ولأنه كان من محبي أشعاره ويحفظها عن ظهر قلب أهداني تسجيلات من أشعار المتنبي بلسان أحد الممثلين العرب نظراً إلى جمال صوته وفخامته، أظنه الفنان اللبناني الكبير عبدالمجيد مجذوب، ولعل بيت المتنبي الشهير القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم.. من بيوت الشعر التي حازت إعجابه، فهو يتضمن معاني العلم والرجولة، والشجاعة والبصيرة المتقدة». «يا محمد.. استوي نفس أبوك» في مقدمة «مع زايد»، كتب سموّ الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي، ولي عهد الفجيرة، تحت عنوان «الرجال العظماء يصنعون التاريخ»: «لعل الحديث عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليس حديثاً عن رجل وحسب، بل هو استدعاء لزمن البطولة والكرم، وسفر من الحكمة والعطاء، ومشعل من الإيمان والإنسانية، إنه حديث عن أب لأمة، وبانٍ لدولة، وقائد ألهم العالم بما قدم من نموذج فريد في الحكم والقيادة». وأضاف سموّه: «أتشرف بأن أضع شهادتي في مقدمة هذه السيرة المفعمة بالذكريات التي صاغها الوالد صاحب السموّ الشيخ حمد بن محمد الشرقي، عضو المجلس الأعلى حاكم الفجيرة، الذي يعتبر أحد أبرز الشاهدين على عصر المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وقد كان الوالد هو المرافق للشيخ زايد منذ أن كان أول وزير للزراعة في حكومة الاتحاد الأولى، لذلك شهادته به وكلامه عنه - طيب الله ثراه - هو تجسيد حيّ لتلك العلاقة والمحبة التي جاءت على شكل ذكريات شيقة». وكما حضرت ذكريات الأب، تحضر ذكريات الابن، في هذه المقدمة، إذ يروي سموّ الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي: «أذكر أنني حين التقيت بالشيخ زايد، طيب الله ثراه، لأول مرة، نظر إلي مطولاً بعينين كلها محبة وطيبة، وقال لي مرحّباً ومهنئاً بكلمات لا أنساها: يا ولدي يا محمد أنت ابن الشيخ حمد استوي نفس أبوك.. كلمات مازالت محفورة في ذاكرتي، ولقاء يجعلني أشعر بالفخر بأنني من هذه البلاد الطيبة التي أرسى دعائمها رجل برجاحة عقله وسعة أفقه». حمد الشرقي: • في جميع اللقاءات التي جمعتني بالشيخ زايد، حاولت على الدوام أن أحفظ كلامه وأدوّن آراءه في ذاكرتي حتى لا أنساها أبداً. • إنني مدين لذلك البحر الواسع الذي نهلت منه، وفي جميع ما قمت به من مشاريع حاولت أن أتمثل رؤيته على الدوام. • 221 صفحة، يقع فيها الكتاب الصادر عن المكتب الإعلامي لحكومة الفجيرة. • 11 ديسمبر 1971، كان أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد تأسيس دولة الإمارات. تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news Share فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App