في ظل الاهتمام المتزايد بأدب الطفل، والبحث عن أساليب إبداعية تخاطب وعيه وخياله، يبرز «الهايكو» الموجه للناشئة بوصفه شكلاً أدبياً حديثاً يحاول -بجهود المتخصصين- أن يسلك طريقه إلى عالم الصغار، ليغدو وسيلة تربوية وجمالية تسهم في تنمية ذائقة الطفل، وتعزز قدرته على التأمل واكتشاف الجمال، في تفاصيل الحياة اليومية، بلا احتكار من الكبار ولا قصره عليهم. وانطلقت شرارة المبادرة، بسلسلة من التغريدات التي نشرها الدكتور أحمد القيسي عبر منصة (X) دعا فيها المهتمين والجهات المعنية بالطفل في المملكة إلى الالتفات لهذا الشكل التعبيري، الذي يفتقده أدب الطفل في العالم العربي، وأعلن في تلك التغريدات عن مشروعه القادم الذي يعمل عليه منذ أشهر في ورشة أدبية متخصصة أنشأها لهذا المشروع. ويعده الأول من نوعه في الأدب العربي والشرق أوسطي. وفي أربع أمسيات من أمسيات الشريك الأدبي سلط القيسي الضوء على هذا الموضوع من جوانب مختلفة، بدءاً بالحديث عن أهميته ومدى حاجة الطفل العربي إليه، منوهاً إلى افتقار أدب الطفل في عالمنا العربي للنصوص الوجيزة التي تؤطر المشاهد البسيطة من الطبيعة أو المواقف اليومية العابرة، وتحفزه على تأملها، فالنصوص الموجهة له -على أهميتها- طويلة. واعتبر هذا الفن رافداً جديداً يفتح أفقاً مختلفاً لأدب الطفل العربي. كما تناول ثيمة التساؤل في هذا النص وأهميتها، مبيناً أن (الهايكو) في أغلب نصوصه إما أن يأتي في صيغة تساؤل، أو مثيراً له، أو مجيباً عنه، وهي الثيمة التي تضبط تساؤلات الطفل في هذه المرحلة وتنميها جمالياً. وفي حديثه عن لغة النص أوضح أن كاتب (الهايكو) يجب أن يكون على وعي بمستوى تلقي الطفل، ليدرك مدى ملاءمة المفردات والتراكيب التي ينتقيها في نصه للفئة العمرية المستهدفة، وأن ينزل إلى عوالم الصغار ليلتقط المشاهد من محيطهم البسيط. وأكد القيسي أن مشروعاً كهذا لن يحالفه النجاح إلا بتكاتف الجهود بين مختصين في (الهايكو) وأدب الطفل، ومن هذا المنطلق أنشأ ورشة على برنامج (واتساب)، وضم إليها مجموعة من كتاب وكاتبات (الهايكو) السعوديين، وهم: محمد آل فاضل، عبدالله العنزي، عطاف سالم، يوسف العنزي، مضاوي القويضي، سندس الشريف، ندى العمراني، العنود يحيى، وعفاف أحمد. واستضاف القيسي في الورشة الخبيرة والباحثة في أدب الطفل الدكتورة وفاء السبيل، لتكون مشرفة على الجوانب المتعلقة بأدب الطفل في النصوص. وعن النصوص التي أفرزتها الورشة، أوضح القيسي أنها تتسم بتنوع مشهدياتها، وتجنبها مختلف الأدلجات، لكي تخاطب الأطفال من كل ثقافات العالم ولغاته. أما المخرجات النهائية فيطمح لأن تكون سلسلة من الكتب ترعاها إحدى الجهات، بدءاً بالكتاب الأول الذي سيضم نصوص هذه الورشة، وتكون مصممة وفق معايير كتب الأطفال، لتفتح مساراً جديداً للقراء الناشئة. وأجمع عدد من النقاد على طزاجة الفكرة، وجدارتها متى اكتسبت صبغة ملائمة لواقعنا الثقافي والتربوي. وترى الناقدة الدكتورة زكية العتيبي أن أهمية الفكرة تنبع من طبيعة فن (الهايكو)، القائمة على التكثيف والدهشة والتقاط اللحظة، وعدّتها عناصر تنسجم مع طريقة الطفل في إدراك العالم، متطلعةً أن تسهم في تحديث أدوات أدب الطفل العربي، وتربطه بفن عالمي دون المساس بخصوصيته اللغوية والثقافية. وأضافت: «إنْ كتب الله لهذه الفكرة التنفيذ فسيحصد أدب الطفل أثراً بعيد المدى في تشكيل الذائقة الأدبية للأجيال القادمة». فيما أوضحت الباحثة المتخصصة في أدب الأطفال الدكتورة وفاء السبيل أن «شعر الهايكو مناسب للطفل كونه يقدم صوراً خاطفة تتماشى مع خياله البصري وقصر مدة تركيزه». مشيرةً إلى أنه «عوضاً عن القصائد الطويلة، تمنحه الأسطر الثلاثة مشاهد حسية ملموسة (كصوت المطر أو لون الزهرة)، ما يجعله يستمتع باللغة بصفتها لوحة فنية سريعة، تثير فضوله وتنمي لديه الذوق الجمالي على أن تصاحب النص رسومات تنقل له التجربة كاملة». فيما عدّ رئيس جمعية الأدب الدكتور حسن النعمي «نصوص الهايكو نصوصاً منفتحة على احتمالات كثيرة، تتكئ على الصورة في مقابل مشهد سردي مفعم بالحركة»، لافتاً إلى أن في التجارب التي اطلع عليها أُخذت نصوص (الهايكو) إلى نقطة أبعد من المألوف، اختبرت توظيف حدس الطفولة بين عفوية اللقطة وبراعة التعبير وهندسة الفكرة. مؤكداً أنه إذا كان الطفل غير مقيد بلغة الوعي المطلق، فإن استقباله لهذه النصوص، نقلة نوعية في فلسفة التلقي. وأضاف النعمي: «بما أن الأدب، و(الهايكو) في هذا السياق، متعالٍ على الوعي الواقعي، فإن هذه النصوص تجسد وعي الطفل غير المقيد بحواجز القول الواقعي المفرط في حساسية الاستقبال، ومضمرات الذاكرة». وهنأ الدكتور أحمد القيسي وفريقه هذه الخطوة، التي تعالق نصوص (الهايكو) مع عالم الطفل المتجاوز. فيما ذهب الناقد الدكتور سعود الصاعدي إلى أن «الهايكو في هذه المبادرة، يأتي باعتباره مساراً موازياً لفن الرسم، الذي يبدأ به الطفل تشييد عالمه الخيالي، إلا أنه هذه المرة تشكيل باللغة، لا باللون»، موضحاً أنه بتكامل لغة الطفل مع اللون سنحصل، حتماً، على لغة صقيلة ولون مشع، وستكون تجربة الطفل مع اللغة تجربة تأملية تصقل وجدانه قبل لسانه، وتعيده إلى عالم الطبيعة في الوقت الذي تدخله في عالم اللغة من باب التأمل والخيال والوصف الدقيق. وأضاف: «من المهم، في نظري، بناء رؤية صلبة لهذه المحاكاة، بقلع (الهايكو) من تربته اليابانية، وغرسها في تربة جديدة تتفاعل مع الطبيعة، بفعل تدبّري لا يقف عند حدود التأمل المطلق». وعدّ التفاعل مع صيغة إبداعية، من المثاقفة الراشدة، التي تبحث عن طرق جديدة للتفاعل الإبداعي ومد جسور بين اللغة والطبيعة، اللغة في كثافتها والطبيعة في امتدادها لفتح نافذة جديدة.