لم تعد الأزمة الديموغرافية في الصين مجرد سيناريوهات نظرية تتداولها المجلات الأكاديمية، أو تقديرات مستقبلية تصدرها الهيئات الدولية، بل أصبحت واقعاً ملموساً تؤكده الأرقام الرسمية، وتنعكس آثاره تدريجياً في مختلف مستويات المجتمع. فما كان يُنظر إليه في السابق بوصفه تحدياً بعيد الأمد، تحول اليوم إلى ظاهرة بنيوية تفرض نفسها على صانعي القرار والرأي العام على حد سواء. ففي يناير الماضي، أعلن المكتب الوطني للإحصاء، أن البلاد سجّلت أدنى معدل للمواليد منذ عام 1949، حيث بلغ عدد المواليد في عام 2025، أقل من ثمانية ملايين طفل، وهو رقم كان يصعب تصوره في دولة ارتبط اسمها تاريخياً بالكثافة السكانية الهائلة، والقاعدة البشرية العريضة. ولم يكن هذا التراجع طفيفاً أو عابراً، بل جاء في سياق انخفاض مستمر، إذ هبط معدل المواليد إلى نحو 5.6 ولادات لكل 1000 نسمة، ليصبح من بين الأدنى عالمياً، وأقرب إلى معدلات المجتمعات الأوروبية المتقدمة في السن، مبتعداً عن صورة القوة الآسيوية الصاعدة ذات الحيوية السكانية. واللافت أن هذا الانخفاض (خلال 2025) يُمثّل السنة الرابعة على التوالي التي يشهد فيها إجمالي عدد السكان تراجعاً، وهكذا انتقل الحديث من احتمال «الانكماش السكاني» إلى واقع قائم يعكس تحولاً هيكلياً عميقاً، فبعد عقود من القلق الرسمي إزاء التضخم السكاني، أصبحت المشكلة معكوسة تماماً: لم يعد التحدي هو السيطرة على الزيادة، بل كيفية وقف التراجع المتسارع في أعداد الأجيال الجديدة. القوى العاملة على مدى سنوات طويلة، اعتبرت بكين أن ضبط النمو السكاني هو شرط أساسي لتحقيق التحديث والاستقرار، وتجسّد ذلك في سياسة الطفل الواحد التي طبعت مسار المجتمع لجيل كامل. أما اليوم، فقد انقلبت المعادلة، حيث لم يعد فائض السكان مصدر قلق، بل تقلّص قاعدة الهرم الديموغرافي واتساع قمته، فالتركيبة السكانية التي دعمت النمو الاقتصادي السريع عبر وفرة اليد العاملة الشابة، بدأت تفقد توازنها مع تزايد أعداد كبار السن، وتناقص المواليد. ولم يكن حجم السكان مجرد رقم إحصائي، بل شكّل ركيزة للثقة الوطنية، وعمقاً استراتيجياً واقتصادياً، فالقوى العاملة الضخمة غذّت المصانع، وأسهمت في تمدد المدن، وحافظت على وتيرة نمو متسارعة لعقود. غير أن بلوغ معدل المواليد مستويات تاريخية متدنية يعني أن الأساس الذي قام عليه هذا النموذج بدأ يتآكل. وأصبح السؤال المركزي في بكين لا يتعلق بكيفية كبح الزيادة السكانية، بل بإمكانية إنعاشها واستعادة زخمها. وعندما أنهت الحكومة سياسة الطفل الواحد وسمحت بإنجاب طفلين، ثم ثلاثة لاحقاً، كانت تأمل أن يتحول الطلب المؤجل على الإنجاب إلى موجة مواليد جديدة. غير أن هذا الرهان لم يتحقق، فقد كشفت أرقام عام 2025 أن السلوك الإنجابي تغيّر بصورة أعمق مما كان متوقعاً، وأن تعديل السياسات فقط لا يكفي لقلب الاتجاه العام. أسباب الظاهرة حالياً يدور معدل الخصوبة في الصين حول مولود واحد لكل امرأة، وهو أقل بكثير من مستوى الإحلال البالغ 2.1، أي المعدل اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان. وفي مدن كبرى، مثل بكين وشنغهاي ينخفض المعدل إلى مستويات أدنى من ذلك، وتعود هذه الظاهرة إلى أسباب هيكلية متعددة، فالتوسع الحضري غيّر أنماط الحياة الأسرية، وارتفعت أسعار المساكن في المدن الكبرى إلى مستويات تُعدّ من الأعلى عالمياً قياساً بالدخل، ما جعل توفير مسكن مناسب لتكوين أسرة أمراً بالغ الصعوبة لكثير من الأزواج الشباب. إلى جانب ذلك، تتزايد كُلفة رعاية الأطفال، ويتسم التعليم بطابع تنافسي مكلف، فيما تُشكّل الرعاية الصحية عبئاً إضافياً. وأصبحت الأبوة والأمومة، التي كانت تُعدّ سابقاً جزءاً بديهياً من المسار الاجتماعي، ينظر إليها اليوم من قبل كثيرين باعتبارها مغامرة اقتصادية محفوفة بالمخاطر. كما أسهمت تحولات أنماط الزواج في تعميق هذا الاتجاه، إذ تراجع عدد الزيجات، وارتفع متوسط سن الزواج، بينما تقلّصت أعداد النساء في سن الإنجاب، نتيجة التراكمات الديموغرافية لسياسات تحديد النسل السابقة. وحتى لو تبدلت المواقف الاجتماعية تجاه الإنجاب فجأة، فإن القاعدة السكانية نفسها آخذة في الانكماش، ما يحد من أي انتعاش سريع محتمل. اختلالات اجتماعية واقتصادية في عمق هذا الانخفاض تكمن اختلالات اجتماعية واقتصادية تراكمت عبر سنوات أُعطيت فيها الأولوية للنمو الكمي على حساب التوازن الاجتماعي، وللإنتاجية على حساب الرفاه، فقد تشكّلت ثقافة عمل تتسم بساعات طويلة ومنافسة حادة وانعدام نسبي للاستقرار الوظيفي، ما يجعل التوفيق بين العمل والحياة الأسرية أمراً شاقاً، ويعكس حديث بعض الشباب عن «الاستسلام» أو فقدان اليقين بالمستقبل، شعوراً بأن الجهد لم يعد يضمن الأمان، وهو ما يقوض الثقة الضرورية باتخاذ قرار الإنجاب. ويزداد الضغط بفعل ما يُعرف بمشكلة «4-2-1»، أي طفل واحد يتحمل مسؤولية إعالة والدين وأربعة أجداد. ومع تسارع شيخوخة المجتمع، تتضاعف التوقعات الملقاة على عاتق الجيل الشاب في ظل أسواق عمل غير مستقرة، ما يُضعف الحافز لإنجاب عدد أكبر من الأطفال. واقتصادياً، يحمل هذا المسار تبعات عميقة، فتقلص القوى العاملة يحد من إمكانات النمو في وقت تتزايد فيه متطلبات الإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية. كما تتغيّر أنماط الاستهلاك مع تقدم السكان في العمر، حيث يميل كبار السن إلى الادخار أكثر والإنفاق أقل، وهكذا لا يتلاشى «العائد الديموغرافي» الذي دفع الاقتصاد لعقود فحسب، بل يتحول إلى عبء معكوس. المسار العالمي على الصعيد الدولي، كان الحجم السكاني الهائل للصين ركيزة لدورها مركزاً عالمياً للتصنيع، ومحركاً رئيساً للطلب العالمي. ومع انكماش القوى العاملة وتباطؤ الاستهلاك المحلي، لابد أن يتغيّر هذا الدور تدريجياً. وتشهد سلاسل التوريد بالفعل تحولات، حيث تنوع الشركات متعددة الجنسيات قواعد إنتاجها باتجاه دول جنوب شرق آسيا ذات التركيبة السكانية الشابة والنمو الديموغرافي الإيجابي، مثل فيتنام وإندونيسيا والفلبين، التي يُتوقع أن تستفيد من انتقال الاستثمارات والقدرات الصناعية بعيداً عن اقتصاد يشيخ سكانه. كما ستؤثر الضغوط المالية الداخلية في الطموحات الخارجية لبكين، فالمجتمع المتقدم في السن يتطلب إنفاقاً أكبر على المعاشات والخدمات الصحية، ما قد يحد من الموارد المتاحة للمبادرات العابرة للحدود، ومنها مشروعات البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. ومن المرجح أن تصبح الأولويات أكثر تركيزاً على الداخل، وأن تميل السياسات إلى قدر أكبر من الحذر الانتقائي. تحول هيكلي إن تسجيل الصين معدل مواليد قياسياً منخفضاً في مطلع عام 2026 ينبغي ألا يُنظر إليه مؤشراً إحصائياً فحسب، بل علامة على تحول هيكلي عميق يمس كل أبعاد مستقبل الصين، من ديناميكيات النمو الاقتصادي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، ومن الاستدامة المالية إلى موقعها في النظام الدولي. صحيح أن الديموغرافيا لا ترسم المصير بشكل حتمي، لكنها تضع حدوداً واضحة لما هو ممكن. ولاتزال الصين قوة كبرى تمتلك موارد واسعة وقدرات مؤسسية معتبرة، غير أنها تدخل الآن مرحلة جديدة تتسم بالشيخوخة السكانية، وتضاؤل الهامش المتاح للمناورة. لقد انتهى زمن تعويض أوجه القصور الاقتصادية والمؤسسية بوفرة سكانية شابة، وبدأت مرحلة أكثر تعقيداً تصبح فيها الخيارات أعلى كُلفة، ويضيق فيها هامش الخطأ أمام صانعي القرار. عن «أيجا» تايمز تحدٍ جوهري لا يعني التراجع الديموغرافي بالضرورة انكفاء جيوسياسياً، فالتاريخ يشير إلى أن المجتمعات التي تواجه هشاشة داخلية قد تتبنى أحياناً مواقف أكثر حزماً في الخارج. وبالنسبة للحزب الشيوعي الصيني، الذي ترتبط شرعيته بأداء اقتصادي قوي ومشروع نهضة وطنية، يُمثّل له استمرار التراجع السكاني مع شيخوخة المجتمع تحدياً جوهرياً. وقد تتحول النزعة القومية إلى أداة لتعزيز التماسك الداخلي في ظل حالة عدم اليقين. . الحجم السكاني الهائل للصين كان ركيزة لدورها مركزاً عالمياً للتصنيع، ومحركاً رئيساً للطلب. . التركيبة السكانية التي دعمت النمو الاقتصادي السريع عبر وفرة اليد العاملة الشابة، بدأت تفقد توازنها مع تزايد أعداد كبار السن وتناقص المواليد. تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news Share فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App