كتب أيمن رمضان الشريف السبت، 14 فبراير 2026 12:21 م في عالم الاقتصاد والسياسة، لا تتحرك الأسواق فقط بالأحداث الواقعية، بل كثيراً ما تهتز بفعل التوقعات والسيناريوهات المحتملة ومن أكثر السيناريوهات حساسية وتأثيراً على الاقتصاد العالمي هو احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران هذا السيناريو، حتى وإن كان افتراضياً، يحمل في طياته تداعيات واسعة تتجاوز حدود البلدين لتطال أسواق الطاقة، العملات، المعادن الثمينة، بل والاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط بأكمله. شكل السيناريو العسكري المحتمل يرى الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، أن الحرب في هذا الإطار غالباً لن تكون حرباً تقليدية شاملة في بدايتها، بل قد تبدأ بضربات جوية دقيقة تستهدف منشآت نووية أو عسكرية أو مراكز قيادة، و إيران من جانبها قد لا ترد بنفس النمط، بل من خلال أدوات غير مباشرة، مثل الضغط على الملاحة في مضيق هرمز، أو استخدام حلفائها الإقليميين، أو هجمات سيبرانية، أو استهداف منشآت طاقة في المنطقة، بمعنى آخر، السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حرب محدودة عسكرياً، واسعة اقتصادياً. النفط نقطة الارتكاز الأولى وأكد "الجوهرى"، أن أسعار النفط ستكون أول وأسرع المتأثرين مجرد الإعلان عن توتر عسكري كبير قد يدفع الأسعار للارتفاع الحاد قبل إطلاق أي رصاصة، وتابع:" السبب بسيط، منطقة الخليج تنتج ما يقرب من ثلث نفط العالم، وأي تهديد لمضيق هرمز يعني تهديداً مباشراً لإمدادات الطاقة العالمية، و في سيناريو تصعيد متوسط، يمكن أن تقفز الأسعار بنسبة 20 إلى 40 % خلال أيام، أما في سيناريو إغلاق أو تعطيل الملاحة فعلياً، فقد نشهد مستويات سعرية استثنائية تتجاوز كل التوقعات". الذهب ملاذ الخوف وأشار رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، إلى أن الذهب تقليدياً هو مخزن القلق العالمي ومع أي تصعيد جيوسياسي كبير، تتجه رؤوس الأموال إليه باعتباره ملاذاً آمناً في هذا السيناريو، ومن المرجح أن يشهد الذهب موجات صعود قوية مدفوعة بعاملين، الأول الخوف من عدم الاستقرار والثاني تراجع الثقة في الأصول عالية المخاطر مثل الأسهم ، وقد لا يكون الارتفاع مؤقتاً فقط، بل ممتداً طالما استمر التوتر. الدولار بين القوة والضغطوأضاف الخبير الاقتصادى، أن الدولار الأمريكي غالباً يستفيد في البداية من الأزمات الكبرى باعتباره عملة احتياط عالمية، فتزداد عليه الطلبات لكن الصورة ليست أحادية إذا طال أمد الصراع أو ارتفعت تكلفته على الاقتصاد الأمريكي، قد يتحول الأثر من إيجابي إلى ضاغط، خاصة إذا تزامن مع عجز مالي أو ارتفاع في أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة نفسها، وتابع:" إذن قوة الدولار في هذا السيناريو غالباً تكون في المدى القصير، بينما يظل الاتجاه على المدى المتوسط مرتبطاً بمدة وشدة الصراع". دول الخليج بين الفرصة والتهديد ولفت "الجوهرى"، إلى أن اقتصادات الخليج تقف في موقع مزدوج من ناحية، ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة كبيرة في الإيرادات وتحسن الفوائض المالية ومن ناحية أخرى، أي تهديد أمني مباشر أو استهداف للبنية التحتية للطاقة أو الموانئ قد يرفع تكاليف التأمين والشحن ويؤثر على الاستثمارات الأجنبية والسياحة، بالتالي المكاسب المالية المحتملة قد تتوازن مع مخاطر جيوسياسية مرتفعة. بقية الشرق الأوسط و الضغوط غير المباشرة وأكد "الجوهرى"، أن الدول غير النفطية في المنطقة ستكون الأكثر تأثراً سلبياً، من حيث ارتفاع أسعار الطاقة يعني زيادة تكاليف الاستيراد، وارتفاع معدلات التضخم، وضغطاً على العملات المحلية والميزانيات الحكومية كما أن حالة عدم اليقين قد تؤجل استثمارات جديدة وتؤثر على قطاعات مثل السياحة والخدمات اللوجستية. الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وختم الخبير الاقتصادى حديثه قائلاً:"التأثير لن يتوقف عند حدود المنطقة، حيث ارتفاع النفط يعني ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع عالمياً، وهو ما قد يعيد موجات تضخمية حتى في الاقتصادات الكبرى، وسلاسل الإمداد التي لم تتعاف بالكامل من أزمات سابقة، قد تواجه اضطرابات جديدة، خاصة في الشحن البحري والتأمين وفي النهاية سيناريو المواجهة الأمريكية الإيرانية، حتى لو ظل في إطار الافتراض، يمثل نموذجاً واضحاً لكيف يمكن للسياسة أن تعيد تشكيل الاقتصاد في أيام قليلة، النفط يقفز، الذهب يلمع، الدولار يتأرجح، الخليج يربح ويخاطر في الوقت ذاته، بينما تتحمل الاقتصادات الأضعف العبء الأكبر، كون الاستقرار الجيوسياسي ليس مجرد قضية سياسية، بل ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاقتصادي العالمي".