هل أصبح جيل زد أقل ذكاءً؟ قبل بضعة أشهر، أثار تقرير حديث جدلًا واسعًا بعدما كشف أن بعض الجامعات المرموقة بدأت تُعدل مناهجها الدراسية لطلاب جيل زد، ليس بالتطوير أو التعقيد، بل بتبسيط المحتوى وتخفيفه ليتناسب مع قدراتهم، نعم، الأمر يبدو صادمًا، وربما كان مجرد فكرة نتندر بها في شبابنا، لكن الواقع بات يقدّم إشارات مقلقة، فبينما اعتادت المجتمعات إطلاق أحكام جاهزة على كل جيل جديد بأنه أقل صبرًا أو أقل مرونة أو أقل ذكاءً من سابقه، فإن القلق هذه المرة يبدو أعمق من مجرد وصف عابر، ويطرح سؤالًا جديًا حول ما إذا كانت التكنولوجيا قد أعادت تشكيل قدرات هذا الجيل بالفعل. وقد أعادت دراسة حديثة حول ذكاء الأجيال هذا النقاش إلى دائرة الضوء العالمية، تشير النتائج إلى أن جيل زد، المولودين بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من الألفية، قد يكون أول جيل يحصل على درجات أقل في الاختبارات المعرفية الأساسية مقارنةً بآبائهم من جيل الألفية، بما في ذلك الانتباه والذاكرة وحل المشكلات ومعدل الذكاء العام، إن الجيل الذي يُتوقع منه قيادة آفاق الابتكار المستقبلية، والذي يتعايش مع الروبوتات، عاجزٌ عن قراءة جملةٍ بشكلٍ صحيح أو حلّ مسألةٍ رياضيةٍ بسيطة، هذا هو واقعنا، قد نتجاهل هذه المشكلة، لكنها قد تُقوّض أسس النظام التعليمي. ماذا تقول النتائج؟ النتائج عبارة عن شهادةٍ مكتوبةٍ قدّمها عالم الأعصاب والمربي الدكتور جاريد كوني هورفاث، الحاصل على درجتي الدكتوراه والماجستير في التربية، إلى لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأمريكي، وفي شهادته عام 2026، جادل الدكتور هورفاث بأنّ الجوانب الأساسية للتطور المعرفي، بما في ذلك القراءة والكتابة، والحساب، والانتباه، والتفكير النقدي، قد استقرت أو تراجعت في أجزاءٍ كثيرةٍ من العالم المتقدم خلال العقدين الماضيين، وعزا هذا التوجه إلى حدٍ كبيرٍ إلى التوسع السريع وغير المنظم إلى حدٍ كبيرٍ للتكنولوجيا الرقمية والتعليمية في الفصول الدراسية، والتي قال إنها غالبًا ما تُضعف مخرجات التعلّم بدلًا من تعزيزها. عندما يبدو التقدم وكأنه تراجع لقد غزت تقنيات الذكاء الاصطناعي والهواتف المحمولة الفصول الدراسية أيضًا، وبينما نبهر بفوائدها، فإن الجانب الآخر من القصة يبرز بقوة، تُسوَّق هذه التقنيات والهواتف تحت ستار الإنجازات التعليمية، لكنها تُعيد تشكيل الدماغ بطرق غير متوقعة، وقد تجاوز النقاش مجرد المزاح على وسائل التواصل الاجتماعي إلى نقاش جاد حول السياسات التعليمية، فالذكاء ليس فطريًا فحسب، بل يُصقل أيضًا من خلال حل المشكلات، وتنمية القدرات العقلية، وليس بمجرد إيجاد الحل من خلال تعليمات غير مكتملة. الشاشات والسطحية: تراجع القراءة المتعمقة انقضت أيام كانت فيها القراءة هواية مفضلة، الآن، لا يرغب الطلاب حتى في القراءة لاكتساب المعرفة، وفي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يقرأ الطلاب للمتعة أقل من أي وقت مضى، ووفقًا لمؤسسة محو الأمية الوطنية (2024)، فإن طفلًا واحدًا فقط من بين كل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عامًا يستمتع بالقراءة في أوقات فراغه، ونادرًا ما يقرأ طفل واحد من بين كل خمسة أطفال يوميًا، في الولايات المتحدة، انخفضت نسبة القراءة اليومية بين الطلاب الأكبر سنًا والبالغين بأكثر من 40% خلال العقدين الماضيين، وفقًا لبحث أجرته جامعة فلوريدا وكلية لندن الجامعية (2025). وقد برز أثر هذا التراجع بشكلٍ جليّ خلال فترة إغلاق المدارس بسبب جائحة كوفيد-19، فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد أن طلاقة القراءة الشفوية لدى طلاب الصفين الثاني والثالث تراجعت بنحو 30% عن المستويات المتوقعة، وكان الطلاب من المناطق ذات الدخل المنخفض والأداء المتدني هم الأكثر تضررًا، تُعدّ طلاقة القراءة مهارة أساسية؛ فبدونها، يتأثر فهم مواد مثل الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية. وتضيف دراسات جامعة هارفارد بُعدًا آخر للقلق: إذ تظهر اختلافات في المعالجة الصوتية، أي القدرة على فك رموز اللغة المكتوبة، في وقت مبكر يصل إلى 18 شهرًا، أي قبل دخول الأطفال المدرسة بفترة طويلة، غالبًا ما يواجه أولئك الذين لا يحصلون على دعم القراءة المبكر فجوات متزايدة في مهارات القراءة والكتابة، مما يؤثر سلبًا على انتباههم وفهمهم ومهارات التفكير النقدي لديهم. هذا التراجع له أهمية بالغة، فقد أظهرت الأبحاث أن التصفح العشوائي للإنترنت، وخاصةً تصفح الأخبار السيئة، يُعطّل الذاكرة العاملة ويُقلّل من الانضباط الذهني الذي تُعزّزه القراءة المتعمقة، عندما يتعرض الدماغ باستمرار لمعلومات مجزأة، ومقتطفات من الأخبار، ومقاطع قصيرة، ومنشورات جذابة، فإنه نادرًا ما يُدرَّب على التركيز المتواصل، إن التعليم الذي كان يتطلب في السابق تركيزًا عميقًا، يُستبدل عمليًا بنظام يُكافئ التشتت. التصفح السلبي: منهج القلق الذي لا يُدرَّس التصفح السلبي في منتصف الليل ليس استثناءً، تُوفر الأخبار المتواصلة سيلًا لا ينقطع من السلبية، وتعمل الأجهزة بأقصى دقة، مما يزيد من القلق ويُشتت الانتباه، إن الرغبة في التصفح أكثر ليست مجرد مُغيِّر للمزاج، بل هي أيضًا وسيلة لتدريب عقول الشباب على القراءة السطحية، أو عدم القراءة على الإطلاق، والاكتفاء بالرد دون التفكير.هذا اتجاه سلوكي متزايد في المدارس، يلاحظ معظم المعلمين أن الطلاب يُعانون من مشاكل في التركيز، والصبر على النصوص الطويلة والحجج المعقدة، والتي كانت تُعتبر في يوم من الأيام ركائز التميز في التعليم. التحدي: تجاوز هذه المرحلة الانتقالية، لا إلقاء اللوم إنّ التطور الناتج عن هذا التقاطع بين الأجيال ليس حتمية، بل هو رسالة تدعو إلى تصميم بيئات تعليمية مدروسة:إعادة النظر في القراءة: دمج ممارسات القراءة المتعمقة مع الإلمام الرقمي، الذي لا يُعلّم الطلاب ما يجب عليهم قراءته فحسب، بل يُعلّمهم أيضًا كيف يقرؤون.الاستخدام الواعي للشاشات: وضع حدود صحية بحيث تُعزز التكنولوجيا عملية التعلم بدلًا من أن تحل محل الجهد الذهني.إصلاح التقييم: توسيع مفهوم الذكاء ليشمل الطلاقة الرقمية، والتركيب الإبداعي، والتفكير الأخلاقي. المستقبل ليس نصًا مُبرمجًا يقف هذا الجيل (جيل الألفية) على مفترق طرق، قد تُوحي الأرقام والحجج بصورة قاتمة، لكن من الواضح أن التعليم اليوم يجب أن يُعلّم الطلاب ليس فقط كيفية الوصول إلى المعرفة، بل كيفية استيعابها، وفهمها، والتأمل فيها، فلم يعد الأمر مجرد تبادل للاتهامات، بل أصبح خيارًا، إن هذا التغيير هو السردية الحقيقية لهذا الجيل، وهي السردية التي تظل فيها الشاشات أداة وليست حاكمة، ولا تختفي فيها القراءة والتفكير.